الأضحية في العيد عن الأموات.. الذبح عن الميت لا يجوز بغير وصية أو وقف وذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها

إذا أوصىّ الميت بالتضحية عنه، أو وقّف وقفاً لذلك (أي ليذبحوا منه أضحية عن الميت) جاز ذلك بالاتفاق.
فإن كانت الأضحية واجبة بالنذر وغيره، وجب على الوارث إنفاذ ذلك، أماّ إذا لم يوصي بها وأراد الوارث أو غيره أن يضحي عنه من مال نفسه، فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى جواز التضحية عنه.
إلاّ أن المالكية أجازوا ذلك مع الكراهة، وإنما أجازوه لأن الموت لا يمنع التقرب عن الميت كما في الصدقة والحج.
وذهب الشافعية إلى أن الذبح عن الميت لا يجوز بغير وصية أو وقف[1].
لكن يجب أن يعلم المسلم أن الأصل في الأضحية أنها في حق الحي.
وقد اختلف العلماء.. هل الأضحية عن الميت أفضل أم الصدقة بثمنها؟
فذهب الحنابلة وكثير من الفقهاء إلى أن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
وذهب بعضهم إلى أن الصدقة بثمنها أفضل، وهذا القول أقوى في النظر، لأن التضحية عن الميت لم يكن معروفاً عن السلف.
والأمر في ذلك واسع، ففضل الله عظيم وعطاؤه جزيل.
والصدقة بثمن الأضحية هذا في حق الأموات، أماّ الأحياء فسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في النقطة التي تلي.
فالمقصود من ذلك أن إدخال الأموات تبعاً للأحياء في الأضحية، قد دلّت عليه السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم "ضحىّ عنه وعن أهل بيته".
وأهل بيته فيهم الأحياء وفيهم من مات، وقد ضحىّ عليه الصلاة والسلام وقال " اللهمّ هذا عن أمتي جميعاً".
ويدخل فيهم الأحياء والأموات.
أماّ أن يستقل الحي بأضحيةٍ عن نفسه وأضحية أخرى يخصُّ بها الميت، فقد كره ذلك بعض أهل العلم، والصحيح جوازها، لأنها تكون صدقةً من الصدقات، بل قال بعض العلماء أنها صدقةٌ ينتفع بها الميت ويصل إليه ثوابها.
والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له"[2].
بل قال بعضهم أن الأضحية عن الميت أفضل منها عن الأحياء، لأن الميت عاجزٌ ويحتاج إلى الثواب[3].
لكن هذا القول مرجوح ، لأنه لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ماتت قبله بعض زوجاته وبعض بناته وجميع الذكور من أبنائه ، وكذلك عمّه حمزة، ومع ذلك لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ضحّى عن أحدٍ منهم.
وعموماً من ضحى عن أمواته ببهيمة الأنعام فله أجر بإذن الله تعالى، ومن تصدق بالثمن جاز بإذن الله تعالى، وله أجر ذلك، ولا ينبغي التحجير والتضييق في المسألة، فالأمر في ذلك واسع ولله الحمد والمنّة[4].
[1] الموسوعة الفقهية 5 / 106.
[2] متفق عليه.
[3] شرح منتهى الإرادات 1 / 612.
[4] الدرر السنية 5 / 401.

من يذبح أضحية العيد.. يُستحب للمضحي أن يتولىّ ذبح أضحيته بنفسه إن كان يُحسن الذبح أو دفعها إلى من يذبحها له ولا يعطيه منها شيئاً مقابل الذبح بل يعطيه مالاً أو غيره

يُستحب للمضحي أن يتولىّ ذبح أضحيته بنفسه إن كان يُحسن الذبح، لأن الذبح عبادة وقربة إلى الله تعالى، فيُستحب مباشرة الإنسان لها بنفسه، ولأن ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان ينحر الإبل ويذبح البقر والغنم، فلنا فيه صلى الله عليه وسلم أُسوة حسنة وقدوة طيبة.
وإن لم يكن المضحيّ ممن يُحسن الذبح دفعها إلى من يذبحها له ولا يعطيه منها شيئاً مقابل الذبح بل يعطيه مالاً أو غيره، ويُستحب له أن يحضر ذبح أضحيته.
قال في المقنع "فإن ذبحها بيده كان أفضل، فإن لم يفعل أُستحب له أن يشهدها، لقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها (أحضري أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة من دمها).
وقد أجمع العلماء على أن ذبح المضحيّ أضحيته مستحب وليس بواجب، فإن كان يحسن الذبح ذبحها بنفسه وإلاّ استناب من يقوم بذلك عنه.
ويدل على ذلك حديث علي ابن أبي طالب رصي الله عنه قال "امرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بُدُنِهِ، وأن أقسم لحومها وجلودها وجلالها على المساكين ولا أعطي في جزارتها شيئاً منها"، وفي رواية "نحن نعطيه من عندنا"[1].
فالحديث يدل على جواز التوكيل على ذبح ونحر الأضحية والهدي.

فوائد الحديث:
1- عدم جواز بيع جلودها، فإماّ أن ينتفع بها صاحبها، أو يهديها، أو يتصدق بها على الفقراء والمساكين.
2- عدم إعطاء جازرها منها شيئاً مقابل جِزارته، ولكن يُعطى منها هدية إن كان غنيّاً، أو صدقةً إن كان فقيراً.
3- أجمع العلماء على أنه لا يجوز بيع لحوم الأضاحي أو الهدي، وذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز أيضاً بيع جلودها وأصوافها وأوبارها وشعرها.
وأجاز أبو حنيفة بيع الجلود والشعر ونحوه بعروض لا بنقود، ملاحظاً في ذلك أن المعاوضة بالنقود بيع صريح.
وأما بالعروض ففيه شبه انتفاع كل من المتبادلين بمتاع الآخر، والمنع من ذلك مقدم لما عليه الجمهور[2].
[1] متفق عليه.
[2] توضيح الأحكام 6 / 70.

الأفضل من أضاحي العيد.. الإبل إن كانت كاملة ثم بقرة كاملة، أما لو ذبح بعيراً عن سبع شياهٍ فسبع الشياه أفضل من البعير

دلت السنة المطهرة على أن أفضل ما يُضحىّ به الإبل إن كانت كاملة، أي يضحي ببعير كامل، ثم بقرة كاملة، أما لو ذبح بعيراً عن سبع شياهٍ، فسبع الشياه أفضل من البعير، لأنها أكثر نفعاً وأطيب لحماً.
والمجزئ في الأضحية الإبل والبقر والغنم ، ويجزئ من ذلك المُسنة وهي الثني فما فوق إلاّ الضأن فيجوز من الجذع فما فوقه.
وقد ضحىّ النبي صلى الله عليه وسلم بالإبل والبقر والغنم، ولكل واحدة دليل يدل على مشروعية التضحية بها.

فائدة مهمة:
مماّ قد يشتبه على بعض الناس أنه يجوز الأضحية بالجذع من المعز، ولا شك أن هذا خلاف السنة.
فالحديث الذي سنورده إن شاء الله تعالى يدل على منع التضحية بجذعة المعز وأنها كانت مخصوصة في حق أحد الصحابة كما ذكر ذلك جمع من علماء الحديث.
فعن البراء قال: "ضحىّ خالي أبو بردة قبل الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلك شاة لحم، فقال: يا رسول الله إن عندي جذعة من المعز، فقال: ضح بها، ولا تصلح لغيرك".
وفي رواية "اذبحها ولن تجزئ عن أحدٍ بعدك".
وفي أخرى "ولا تجزئ جذعة عن أحد بعدك"[1]. 
أما الجذع من الضأن وهي الخراف فجائزة لقوله صلى الله عليه وسلم : " ضحواّ بالجذع من الضأن"[2].
قال ابن عبد البر: وهو أمر مجتمع عليه عند العلماء أن الجذع من المعز لا تجزئ اليوم عن أحد، لأنّ أبا بردة خُصّ بذلك"[3].
فالجذعة من المعز لا تجزئ في الأضحية، أما الجذع من الضأن فهو على الإجزاء كما في الحديث السابق والله تعالى أعلم.
لكن من لم يجد الثني وهي المسنة من المعز فله أن يذبح الجذعة.
[1] اخرجه مسلم والبخاري نحوه.
[2] رواه الإمام أحمد وقال الهيثمي رجاله ثقات / تلخيص الحبير 4 / 344.
[3] الإجماع 4 / 181.

وقت بدء ذبح أضحية العيد.. لا يجوز قبل طلوع الشمس وقبل صلاة العيد في ذلك اليوم

لقد أجمع العلماء على أن ذبح الأضحية لا يجوز قبل طلوع الشمس وقبل صلاة العيد في ذلك اليوم أو ما يعادل ذلك الوقت ممن كان خارجاً عن المصلىّ وبعيداً عنه أي بمقدار وقت الصلاة والخطبة.
قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والليث بن سعد: لا يجوز ذبح الأضحية قبل الصلاة، ويجوز بعد الصلاة قبل أن يذبح الإمام، وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم "من نسك قبل الصلاة، فإنما هي شاة لحم"[1].
وقوله صلى الله عليه وسلم "من كان ذبح قبل الصلاة فليعد"[2].
وكان هذا في خطبة يوم النحر.
وعن جندب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أضحى، فرأى قوماً قد ذبحوا، وقوماً لم يذبحوا، فقال "من كان ذبح قبل صلاتنا فليُعد، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله"[3].
قالوا: فهذه الآثار كلها تدل على اعتبار مراعاة وقت الصلاة دون ما سواها.
وقال أحمد بن حنبل: إذا انصرف الإمام فاذبح.
وقال إسحاق: إذا فرغ الإمام من الخطبة فاذبح.
واعتبر الطبري قدر مُضي وقت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وخطبته بعد ارتفاع الشمس.
وقال الشوكاني: قال مالك: لا يجوز ذبحها (أي الأضحية) قبل صلاة الإمام وخطبته وذبحه.
وقال الثوري: يجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبته وأثنائها.
وقال الشافعي مع داود وآخرون: إن وقت التضحية من طلوع الشمس فإذا طلعت ومضى قدر صلاة العيد وخطبته أجزأ الذبح بعد ذلك، وسواءً كان من أهل القرى والبوادي أو من الأمصار أو من المسافرين[4].
والراجح: أن وقت ذبح الأضحية يكون بعد صلاة العيد، سواءً صلىّ المضحيّ أم لا.
وهو الذي يدل عليه الدليل، فعن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كان ذبح قبل الصلاة فليعد"[5].
وعن البخاري "من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نُسُكه وأصاب سنة المسلمين".
فالصواب: أن وقت الذبح بعد صلاة العيد لمن كان في المدن، أماّ أهل القرى ومن ليس عليهم صلاة عيد، فعليهم أن يقدروا وقت الصلاة، فإذا علموا أن الصلاة قد انتهت تقديراً ذبحوا".
قال الشيخ عبد الله البابطين: من ضحىّ بعد صلاة الإمام فأضحيته مجزئة، ولو لم يصلي، لأن العبرة بصلاة الإمام لا صلاة الإنسان نفسه[6].
[1] التمهيد 10 / 272_ 276.
[2] متفق عليه.
[3] رواه البخاري.
[4] نيل الأوطار 5 / 126 _ 127.
[5] متفق عليه.
[6] الدرر السنية 5 / 406.

تعريف أضحية العيد.. ما يذبح من بهيمة الأنعام أيام الأضحى بسبب العيد تقرباً إلى الله تعالى

تعريف الأضحية:

- الأضحية لغةً:
تُطلق على الشاة التي تُذبح ضحوة، أي وقت ارتفاع النهار.
وقيل: هي التي تُذبح يوم الأضحى.[1]

- اصطلاحاً:
ما يذبح من بهيمة الأنعام أيام الأضحى بسبب العيد تقرباً إلى الله تعالى.[2]
الأضحية: بضم الهمزة وبكسرها، وجمعها ( أضاحي) أو ( ضحايا) أو (أضحاة)[3].
وتسمىّ أضحية أو ضحية.

سبب التسمية:
وأما سبب تسميتها بأضحية، فقال الشوكاني رحمه الله، سميت بذلك: لأنها تُفعل في الضحى وهو ارتفاع النهار.
وقيل غير ذلك.
[1] مختار الصحاح 378.
[2] التعريفات للجرجاني 29.
 [3] المصباح المنير.

البوند.. حزب اشتراكي يهودي روسي كان يعارض الحركة الصهيونية معارضة شديدة

البوند
בונד (באידיש)
حزب اشتراكي يهودي روسي.
أسس سنة 1897م.
وكان لهذا الحزب أثر كبير في روسيا ما بين السنوات 1905-1920م.
كما وكان للبوند أثر في بولندا حتى الحرب العالمية الثانية.
كان عدد أعضاء هذا الحزب في روسيا سنة 1917م 40 ألفا.
والجدير بالذكر أنّ هذا الحزب كان يعارض الحركة الصهيونية معارضة شديدة.

«بوند» كلمة يديشية معناها «الاتحاد»، وهي الكلمة الأولى في عبارة «الاتحاد العام للعمال اليهود في روسيا وبولندا وليتوانيا».
وهو أهم التنظيمات الاشتراكية اليهودية في شرق أوروبا.
وقد تأسس الحزب داخل منطقة الاستيطان في مقاطعات ليتوانيا وروسيا البيضاء التي كانت تتميز بوجود عمال يهود متركزين بأعداد كبيرة نسبيا في الصناعات.
كما أن الكثافة السكانية اليهودية ككل كانت عالية إلى حد ما، الأمر الذي كان يعني عزلة اليهود عن بقية السكان.
وعقد الاجتماع التأسيسي للحزب سرا في فلنا في أكتوبر عام 1897، أي بعد مرور أقل من شهرين على انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول.
وحضر الاجتماع ثلاثة عشر مندوبا كان من بينهم ثمانية عمال.
وكان الحزب يعد أكبر الأحزاب اليهودية وأكثرها جماهيرية، فكان يضم في صفوفه جماهير يهودية يفوق عددها عدد أعضاء المنظمة الصهيونية في شرق أوروبا في العالم كله.
فقد كان عدد أعضاء حزب البوند في الفترة 1903 ـ 1905 ما بين 25و35 ألفا, وقيل إن العدد قد وصل إلى 40 ألفا عام 1905.
ويقسم تاريخ حزب البوند في العادة إلى مرحلتين.
ويمكن تقسيم المرحلة الأولى بدورها إلى فترتين, وقد سيطرت في الفترة الأولى من المرحلة الأولى عناصر ثورية من المثقفين على قيادات الحزب. ويلاحظ أن برنامج الحزب في سنواته الأولى لم يكن له توجه محلي أو يهودي واضح، فكانت قيادته ترى أنه حزب اشتراكي روسي يضطلع بمهمة التجنيد الثوري في القطاع اليهودي للطبقة العاملة.
وتقبل الحزب يهودية العمال اليهود ولغتهم اليديشية بوصفها مجرد حقائق تؤخذ في الاعتبار.
ولذا أكد الحزب في برنامجه أهمية اللغة اليديشية باعتبارها إحدى الوسائل العملية للوصول إلى الجماهير اليهودية.
ولكنه رفض من البداية أية تصورات صهيونية لقومية يهودية عالمية, وطرح بدلا من ذلك مفهوما كان يشار إليه بكلمة «دوإكييت»
اليديشية والتي تعني «هنا»، أي الاهتمام بأوضاع أعضاء الجماعة اليهودية (هنا) في شرق أوروبا خارج أي إطار يهودي عالمي وهمي.
ولذا، كان البوند يعارض التعاون مع الحركات العمالية اليهودية في البلاد الأخرى (وقد ظل الالتزام بهذا المفهوم أحد ثوابت النظرية البوندية).
بل إن حزب البوند كان يرى أن وجود حركة عمالية يهودية مستقلة هو مرحلة مؤقتة انتقالية، وأن الهدف النهائي هو الاندماج في الشعب الروسي (أو البولندي).
وفي هذا الإطار, أكد الحزب التزامه بالماركسية واهتمامه بالمصالح العامة للطبقة العاملة ككل بصفة أساسية وبالمصالح الخاصة بالعمال اليهود بالدرجة الثانية، وانضم إلى الحزب العمالي الديموقراطي الاشتراكي الروسي عام 1898، وكان البوند أحد مؤسسي هذا الحزب.
وقد كان عدد المندوبين في اللجنة التأسيسية للحزب تسعة من بينهم ثلاثة من أعضاء البوند.
وقام الحزب بنشاطات واسعة ذات طابع سياسي في صفوف العمال من أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانت تتزايد أعدادهم بسبب تزايد معدلات التحديث الاقتصادية والتصنيع في روسيا وتعثرها من الناحية الاجتماعية مع نهاية القرن.
وأدى نجاحه في نشاطه إلى تأليب النظام الروسي القيصري ضده.
وفي هذه الآونة، كان المفكران الروسيان اليهوديان سيمون دبنوف وحاييم جيتلوسكي قد صاغا نظريتهما عن قومية الدياسبورا (أو بتعبير أدق قوميات الجماعة اليهودية، وربما أيضا: القومية اليديشية).
وتذهب هذه النظرية إلى أن ثمة ثقافات يهودية مستقلة عن بعضها البعض وعن الحضارات التي يتواجد داخلها اليهود، وأن استقلال اليهود الثقافي النسبي عن محيطهم الحضاري لا يعني ارتباطهم جميعا على مستوى يهودي عالمي.
وأكد دبنوف أن الجماعة اليهودية في شرق أوروبا (أي يهود اليديشية) لها هوية ثقافية مختلفة عن الهويات اليهودية الأخرى التي نشأت في أماكن وأزمة أخرى، وأن هذه الهوية تستحق الحفاظ عليها وتطويرها على أراض شرق أوروبا ذاتها دون الحاجة إلى الهجرة إلى فلسطين، وهي الهجرة التي كانت تتم في إطار تصور وجود هوية يهودية عالمية واحدة.
ووجدت هذه النظرية صدى لدى قيادات البوند، خصوصا أن التأكيد على الخصوصية اكتسب شيئا من الشرعية الماركسية من القرار الذي اتخذه الحزب بنيته من حزب مركزي إلى حزب فيدرالي قومي يتفق بناؤه مع التعددية القومية التي كانت تسم النمسا آنذاك.
كما أن الواقع الفعلي لكثير من أعضاء الحزب كان يؤكد أنهم أقلية قومية شرق أوروبية (يديشية) لها لغتها وهويتها الثقافية الخاصة. وقد ساهم التحديث المتعثر في ورسيا القيصرية في هذه الآونة في دعم هذه الهوية وفي تعميق كثير من أبعادها، ولعل هذا يفسر سبب ترعرع الثقافة اليديشية وازدهارها.
وقد أعلن البوند في مؤتمره الرابع عام 1901 أن اليهود يشكلون أقلية إثنية لا دينية وأن مصطلح أمة (كما هو مستخدم في ورسيا) ينطبق عليهم.
وهنا تبدأ الفترة الثانية من المرحلة الأولى, حيث دعا الحزب إلى إعادة تأسيس روسيا كاتحاد فيدرالي من القوميات مع إدارة ذاتية قومية كاملة لكل أمة دون إشارة إلى الإقليم الذي تسكنه.
ومع هذا، تقرر ألا يقوم البوند بحملة من أجل الإدارة الذاتية اليهودية حتى لا يتضخم الشعور القومي لدى أعضاء الجماعة اليهودية، الأمر الذي قد يميع الوعي الطبقي للعمال. ولكن هذا التحفظ الأخير لم يطبق، وألغي رسميا في المؤتمر السادس (عام 1905).
وكان البوند قد أكد في مؤتمره الخامس (عام 1903) حقه كممثل للعمال اليهود في أن يضيف إلى برنامج الحزب الاشتراكي الديموقراطي العام مواد لا تتعارض مع ذلك البرنامج، وتتوجه في الوقت نفسه إلى مشاكل العمال اليهود الخاصة.
واقترح البوند على مؤتمر الحزب الاشتراكي عام 1903 الاعتراف بأعضاء الجماعة كأقلية قومية روسية لها حق الإدارة الذاتية مثل بقية الأقليات.
لكن الطلب رفض، فانسحب ممثلو البوند.
ويلاحظ تذبذب البونديين بين نظرتين إلى أعضاء الطبقة العاملة من اليهود، إحداهما ترى أنهم يشكلون طبقة عاملة يهودية ذات هوية يهودية شرق أوروبية محلية أي يديشية، ولذا لا يمكن دمجها بشكل كامل في الطبقة العاملة الروسية.
ويرى الموقف الآخر (البلشفي) أن ثمة طبقة عاملة روسية، وأن العمال اليهود هم جزء لا يتجزأ منها، ومن ثم يكون حل مشكلة اليهود القومية والطبقية هو الاندماج.
ويدل تذبذب قيادة البوند على مدى ذكائهم الحضاري ومدى التصاقهم بجماهيرهم التي كانت لها هوية مستقلة آخذة في التبلور.
فهذه الجماهير كانت كتلة بشرية كبيرة تصلح أساسا لتطوير شخصية قومية شرق أوروبية يديشية مستقلة.
ولكن لأن هذه الهوية ليست متبلورة وإنما أخذة في التبلور، طرح فلاديمير ميديم (1879 ـ 1923)، أحد منظري الحزب، فكرة «الحياد» التي تذهب إلى أنه لا يمكن تحديد الشكل الذي سيحقق من خلاله أعضاء الجماعة اليهودية في شرق أوروبا بقاءهم، فهم قد يحتفظون بهويتهم وقد يندمجون في محيطهم الثقافي.
وتصبح مهمة البوند بالتالي هي أن يحارب من أجل التوصل إلى إطار سياسي يضمن حرية التطور لكل من الاتجاهين، وألا يتخذ أية خطوات من شأنها أن تساعد على الاستمرارية الإثنية أو على عمليات التذويب.
ولذا، لم تستمر القطيعة طويلا مع الحزب الديموقراطي الاشتراكي وعاد البوند إلى التحالف معه عام 1906.
وبعد أن مارس الحزب نشاطه بشكل علني بعد ثورة 1905، وسع نشاطاته ووصل إلى قطاعات كبيرة من أعضاء الطبقة العاملة من اليهود.
ولكنه بدأ ينتكس بعد عام 1908(وهي الفترة التي شهدت المد الرجعي في روسيا) حيث قبض على رؤساء الحزب وتم نفيهم, وانحصر اهتمام الحزب لبعض الوقت في الأمور الثقافية مثل اليديشية، واشترك في عدة مؤتمرات ومؤسسات ثقافية ذات طابع يهودي روسي عام مثل جمعية تنمية الثقافة بين يهود روسيا.
ورغم تأكيد البوند الهوية اليديشية، وربما بسبب هذا، نجده يقف في حزم ضد الرؤية الصهيونية للقومية اليهودية العالمية التي تضم اليهود في كل زمان ومكان.
وقد بين البوند أن المشروع الصهيوني لن يؤدي إلى حل المسألة اليهودية لأن الدولة الصهيونية لن تستوعب كل يهود العالم, كما أنها تفقد يهود العالم حقهم في المطالبة بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والمدنية حيثما وجدوا.
ذلك بالإضافة إلى أن إنشاء هذه الدولة يجعل الصراع بين اليهود والعرب أبديا، كما أن بقاءها يعتمد على رضا يهود الغرب.
وقد بين البوند أن الافتراض الصهيوني بأزلية معاداة اليهود بين الأغيار يهدف إلى تمييع الصراع الطبقي وإعاقة تطور شعور المواطنة لدى اليهود وإلى تقوية عقلية الجيتو.
وتبدأ المرحلة الثانية في تاريخ الحزب بحدوث تغيير أساسي في صفوف الحزب في تلك الآونة، إذ انسحب المثقفون من قيادته، وأصبحت أغلبية أعضائه وقياداته من العمال.
ودار التركيز على خصوصية العمال اليهود وعلى خصوصية وضعهم.
ولذالك كانت لغة المؤتمر العاشر للحزب (عام 1910) هي اليديشية، كما اتخذت قرارات تدعو إلى استخدام هذه اللغة في المدارس والمؤسسات وإلى اشتراك الحزب في انتخابات الدوما (البرلمان) لعام 1912.
وحينما حدث الانشقاق بين البولشفيك والمنشفيك، انضم البنود إلى المنشفيك لقبولهم مبدأ الإدارة الذاتية، ولأن لينين والبلاشفة بشكل عام رفضوا فهم البوند للمسألة اليهودية (أو المسألة اليديشية) ولخصوصية وضع العمال من يهود اليديشية.
وبعد اندلاع الثورة عام 1917، زادت عضوية البوند بسرعة ووصلت إلى خمسة وأربعين ألف عضو.
ولكن أعدادا كبيرة منهم انضمت إلى الحزب الشيوعي، وكون بعض أعضاء الحزب في أوكرانيا حزبا بونديا شيوعيا، ولكن أعضاءه انضموا أيضا إلى الحزب الشيوعي بعد تصاعد الهجمات ضد أعضاء الجماعة اليهودية.
وتم القضاء على ما تبقى من البوند عام 1919.
وهاجرت شرذمة صغيرة من البوند إلى برلين بعد الثورة، واستمرت في نشاطها الحزبي وأصدرت مجلة.
ولم يبق من الحزب سوى أرشيفه الذي نقل إلى جنيف عام 1927 ثم إلى باريس عام 1933.
وكانت هناك أحزاب بوند في أماكن أخرى من بينها جاليشيا ورومانيا، ولكن أهم هذه الأحزاب هو حزب البوند في بولندا الذي استقل في نشاطاته حين عزل عن روسيا نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد ازداد الحزب راديكالية في بولندا، وانضم الحزبان إلى الكومنترن، الأمر الذي تسبب في قمع الحكومة لهما.
واختفى حزب البوند بين عامي 1920و1924، ولكنه حينما عاود الظهور في عام 1924 أصبح أكبر حزب عمالي يهودي في بولندا، فأصدر مجلة أسبوعية وأخرى شهرية وجريدة يومية وبلغت عضويته سبعة آلاف (ويقال 12 ألفا) إلى جانب منظمة شبابية كانت تضم عشرة آلاف عضو.
ولعب حزب البوند دورا مؤثرا في الحياة السياسية في بولندا.
فاستمر في حربه ضد الصهيونية واليهودية الأرثوذكسية، وكان يحصل على أغلبية الأصوات في انتخابات اتحادات نقابات العمال اليهود التي كانت تضم نحو تسعة وتسعين ألف عامل في عام 1939.
وساهم الحزب في تأسيس منظمة المدارس اليديشية المركزية، كما كان يسيطر على نحو 80% من كل المؤسسات التعليمية اليديشية. واستمر البوند في معارضته للعبرية.
ووصل البوند في بولندا إلى قمة نفوذه السياسي بين عامي 1936و1939، حين حصل على أغلبية أصوات اليهود في انتخابات البلديات، نظرا لأنه كان ينظم الجماهير اليهودية وغير اليهودية في الحرب ضد معاداة اليهود.
وبعد الاحتلال النازي، اشترك البوند في المقاومة ضده.
وقد تم القضاء على البوند مع تصفية معظم أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا على يد النازيين.
ويلاحظ أن حزب البوند لا يزال له فروع في الولايات المتحدة وبريطانيا تضم كبار السن من نشطاء الحزب السابقين في بولندا وروسيا، وقد كونت البقية الباقية من أعضائه وفروعه اتحادا عالميا له هيئة تنفيذية مقرها نيويورك، وقد عقدت هذه الهيئة مؤتمرا عاما في أبريل عام 1965، والمنظمة عضو في الاشتراكية الدولية.
ولا يزال الحزب يرفض الفكر الصهيوني ويحاول أن يأخذ موقفا محايدا من الصراع العربي الإسرائيلي.

الجهة الدائرية.. الاستناد على التشاكل في بناء الإيقاع لا يعني ضرورة التماثل المطلق بين مجموع مكونات الحدث المتكرر

إن نظرية الجهة البلاغية تمثل مقاربة معرفية للأوجه البلاغية انطلاقا من فرضيتين أساسيتين:  فلأولى، هي المنظور الزمني التفاعلي الذي يؤول تلك الأوجه بالنظر إلى مواقعها في الجهات البلاغية، بينما الثانية تشكل المنظور المعرفي الذي يضع الجهات في قوالب مستقلة نسبيا عن بعضها بعض ومتفاعلة بواسطة منافذ متعددة.
وهذا يعني أن تلك الأوجه ليست مجرد محسنات، كما كانت تعتقد بذلك النظريات البلاغية التقليدية (العربية والغربية)،  بل تمثل قوالب ذهنية ذات وظائف معرفية في سياق تفاعل الإنسان مع العالم.
ذلك أن الأساس المعرفي لمفهوم الجهة البلاغية (Rhetorical aspect) الذي اقترحناه توسيعا للجهة النحوية يتمثل في مدخرات الإنسان المقولية؛ الثقافية والانتربولوجية باعتبارها حصيلة تفاعله مع العالم الخارجي.
فآلية الإطناب (Redondance)، مثلا، قبل أن تمعجم في اللغة بواسطة الأساس اللغوي لها عنوان أو عناوين في العالم الحسي_ التجريبي للإنسان.
لقد أكد غورهان على القول بأن الفعل الإنساني أقل إبداعا للآلة، لكنه أكثر إبداعا للزمان والفضاء الإنسانيين، الشيء الذي يفسر ملاءمة المنازل الأولى للتقديمات الإيقاعية؛ إذ يمثل هذا التدجين الرمزي _التخييلي انتقالا من الإيقاعية الطبيعية للفصول والأيام ومسافات المشي إلى إيقاعية مشروطة منظمة داخل الرموز الميقاتية والمترية.
ومن هنا، فالجهة الدائرية المتضمنة للزمن الإيقاعي بوصفه خطا منغلقا على نفسه، تحيل على تصورات العود اللأبدي الموجودة منذ أقدم الحضارات الشرقية أو اليونانية.
كما أن الاستعارات دفعت بالإنسان إلى مقارنة حياته (ولادة، كهولة، شيخوخة) بالدائرة الشمسية اليومية (فجر، ظهيرة، مساء..الخ) أو بالدائرة السنوية للفصول[1].
وهكذا، تمثل الجهة الدائرية العنوان _الأساس للزمن الإيقاعي الذي ينشطر إلى زمن إيقاعي منتظم وآخر غير منتظم؛ أي دوري.
إن الزمن الإيقاعي المنتظم باعتباره مجموعة تشاكلات منتظمة، ينتمي حسب النظرية الجشطالتية إلى التوقع بالنظر إلى إدراكه بوصفه نظاما، وإلى تأثيره على المتلقي.فإيقاع النبر، مثلا، له تأثير مقو للطاقة، إذ ينتج لدى المتلقي نشاطا محركا متزامنا[2].
وبذلك، من شروط إدراك الإيقاع؛ التشاكل، سواء أتعلق الأمر بتكرار الحدث الإيقاعي (البصري أو السمعي) أم بتساوي الديمومة (Isochronisme) مع تكرار الفواصل التي يحتمل أن تكسر الإيقاع في حالة حدوث تغيرات في تمفصلها البسيط أو المزدوج كما هو الحال في قصائد الشعر الحر.
بيد أن الاستناد على التشاكل في بناء الإيقاع، لا يعني ضرورة التماثل المطلق بين مجموع مكونات الحدث المتكرر، لأن القافية، مثلا، قد تعتمد فقط على المستوى الأدنى للتشاكل وهو التشاكل في الصائت والصامت الأخيرين (فارس = ملمس).
كما أن الوجه البلاغي تشاكل الصوائت (Assonance) يمثل هذا المستوى الأدنى ويضمن بواسطة المماثلة الصائتية إدراك الزمن الإيقاعي إذا كان التراكم منتظما.
الزمن الإيقاعي المنتظم، إذن، ومن وجهة نظريات الإدراك و الإعلام، يوفر للمتلقي إمكانية التنبؤ بالمعلومة الجديدة (المستقبلية) في الخطاب بواسطة مبدأ الانتظار أو التوقع الناتج عن تراكم ثلاثة أحداث، على الأقل، سمعية أو بصرية، وهو ما يؤشر على التفاعل بين النسقين الفضائي والصوتي من جهة والنسق الدلالي من جهة ثانية.
ومن أمثلة هذا التفاعل ما يمكن اعتباره تشاكلا بين تقطيع الجمل وطولها ونواتها المعنوية، بحيث يؤشر البعد الفضائي للتركيب على زمن إيقاعي يحيل على التشاكل الدلالي الذي يحيل بدوره على المرجع. لننظر في مقطع شعري لمحمد الخمار الكنوني بعنوان: لامرور[3].
23_لا مرور
تنتصب العلامة
تزدحم الأسماء
في نوبة الألوان،
قد قامت القيامة
وبدأ المرور
كن لصا أو مهربا،
كن جثة أو بهلوان،
قف أنت، لا مرور
للإنسان....
يتضمن هذا المقطع تراكبات منسقة؛ تنتصب العلامة،  تزدحم الأسماء _كن لصا أو مهربا، كن جثة أو بهلوان... وهي تمثل بواسطة تناظر تقطيعها على المستوى الفضائي تشاكل الحاجز الذي ينسجم والعنوان لامرور المنشطر بدوره إلى الوحدات الدلالية " العلامة"، " قف"، " لامرور" المتصارعة مع الوحدة الدلالية لتشاكل المرور؛ "بدأ المرور".
وهكذا، يمكن اعتبار الزمن الإيقاعي المنتظم مؤشرا على التناص المساند للبنيات الإيقاعية التقليدية مثل وحدة القافية والبحر الشعري.
وبذلك، فهو زمن تعاقدي وتوقعي في الآن نفسه، أما الزمن الدوري، فهو إيقاع حر وغير منتظم، إذ يعتمد على أنساق صوتية تتردد في الخطاب الشعري بشكل دوري مثل تشاكل الصوامت (Allitération) وتشاكل الصوائت (Assonance)، والعائد (Anaphore) تكرارا دوريا لكلمة رئيسة في النص.
ومن هنا، يمكن للزمن الدوري أن يؤشر على التناص التهديمي وعلى تفاعل الجهة الدائرية مع الجهة المتشابكة التي تسم التشاكلات باللانظام.
غير أن الأوجه البلاغية السابقة يمكن أن ترد تشاكلاتها منتظمة فتندرج حينئذ في الزمن الإيقاعي المنتظم التعاقدي.
وعليه، يمكن تحديد كيفية اشتغال الجهة الدائرية بزمنيها انطلاقا من البحث في أنساق التشاكلات الصوتية والمعجمية والتركيبية التي تنتظم مجموعة من الأوجه البلاغية، دون أن نتجاهل، تفاعل هذه الجهة مع جهات بلاغية أخرى بواسطة مبدأ الانعكاس المرآوي.
[1] جماعة µ 1977، صص.125_128
[2] المرجع نفسه، صص.131_132
[3] الكنوني، رماد هسبريس ص.90.

الزمن الإيقاعي: الانتظام/ اللاانتظام.. الانتظام ينتج الزمن الإيقاعي وإذا انقلب إلى أللاانتظام تحول الزمن إلى زمن دوري

نشير في البدء أن دراستنا لنسق التشاكلات الصوتية يراعي قواعد البروز والتكرار في السلسلة اللغوية دون النظر في مبادئ الإنشاد التي تتميز نتائجها بالنسبية وبصعوبة التحديد.
وعليه، يمكن اعتبار المستوى الأساس لأصوات اللغة متمثلا في البعد اللساني، إذ لا وجود لعلاقة طبيعية داخل العلامة بين الدال من جهة والمدلول والمرجع من جهة ثانية.
وبذلك، كل تأويل ممكن لمعاني الأصوات لا يتم إلا في سياق نصي ضمن علاقات بين أصوات تتناظر وتتغاير من حيت السمات. فالأصوات التي تحاكي الطبيعة تنتمي إلى النسق اللغوي دون النسق الواقعي الذي تمثله اللغة بوصفه تأويلا معرفيا.
وما يؤكد ذلك أن الأصوات الحاكية تختلف من لغة إلي أخرى. فالديك الأسباني يمثل لصوته ب Kikiriki وليس بـ Cocorico.
وهكذا، كل تأويل للسمات العرضية أو الرمزية للأصوات ما هو إلا تأويل للمقومات العرضية للكلمات كذلك، وهو ما يؤشر على أهمية نبر الكلمة أو نبر الجملة.
وبذلك، نعتبر التشاكل الصوتي في الجهة الدائرية داعما لإنتاج المعنى و تأويله انطلاقا من عدة قيود تسمح بتأويل بعض الأوجه البلاغية من قبيل الكلمة- المحور (Paragramme) التي يمكن أن نجد لها عناوين أخرى في باقي الجهات تبعا لنمطية التشاكل الصوتي ذاته.
إن القيد الأساس لهذا التشاكل في الجهة الدائرية هو الانتظام الذي ينتج الزمن الإيقاعي، وإذا انقلب إلى أللانتظام تحول الزمن إلى زمن دوري.
وينشطر هذا القيد إلى قيود فرعية مثل قيد التراكم والتقابل والتوازي والعلاقة الدلالية.
ويمكن اختزالها في ثلاثة قيود.

من التوازي إلى التشاكل.. الدلالة البنيوية تعريفا دلاليا يستند إلى تكرار المقومات السياقية لبناء الجهات البلاغية مع ضرورة تجاوز مفهوم التوازي

إذا كان كَريماص (1966 أ) أول من وظف مصطلح التشاكل (Isotopie) المستعار من حقل الفيزياء باعتباره يؤشر على المشابهة والانتماء إلى حقل أو ميدان أو مكان، فإننا، مع ذلك، لن نتبنى أطروحاته التي ظلت سجينة المحتوى في الخطاب السردي على الخصوص، إذ قدم في كتابه، الدلالة البنيوية تعريفا دلاليا يستند إلى تكرار المقومات السياقية (العامة).
إن الخطاب، في نظره، يحمل عناصر تبدو ظاهريا متناقضة لكنها متشاكلة دلاليا بفضل مبدأ التوسيع الذي يرتبط بالتعريف الخطابي، حيث مكونات الخطاب يشرح بعضها بعضا، تارة عن طريق التوسيع والتكثيف، وتارة أخرى بواسطة التعريف والتحديد[1].
18_هذا الرجل أسد.
فالجملة (18) حسب كَريماص، تظل في سياقنا الاجتماعي أحادية الإحالة، بحيث إن بناء التشاكل ينتج عن تكرار المقوم السياقي [+ إنسان] الموجود في الوحدة الدلالية 'الرجل'، وفي الوحدة الدلالية ' أسد ' التي أسندت إليها صفة إنسانية؛ الشجاعة.
ويمكن أن نحصل على تشاكل ثان إذا ما وضعنا الجملة السابقة في سياق آخر هو: سياق الناس أسود...
وهذا يعني، أن الخطاب (أو الجملة الواحدة) قد يتأسس على أكثر من تشاكل (التشاكل المركب) بواسطة اختلاف التأويل واختلاف السياق.
لقد قدمنا سابقا نقدا لهذا التصور الذي يتجاهل المقومات العرضية الإيحائية، كما فسرنا التعدد المعنوي وبالتالي التشاكل المركب في ضوء العلاقة بين مختلف الحقول المعجمية، والأطر المعرفية.
وفي راستيي (1972) نجد توسيعا لمفهوم التشاكل، إذ يشمل كل وحدة لغوية معينة: (التشاكل هو كل تكرار لوحدة لغوية ما. فالتشاكل الأولي يتضمن، إذن، وحدتين للتمظهر مما يعني أن عدد الوحدات المكونة لتشاكل ما نظريا غير محددة )[2].
ومن ثم، وجه هذا التعريف الدراسات الخاصة بالتشاكل نحو الحقل البلاغي - الأسلوبي (جماعة Mu 1977).
بيد أن مفتاح (1985) يقدم توسيعا أشمل، بحيث يعتبر التشاكل متضمنا لتشاكل النصوص مع بعضها البعض ومع ثقافة الأمة، (فأي نص مهما كان ليس إلا إركاما وتكرارا لنواة معنوية موجودة قبل)[3].
ويعزر الباحث تنميته هاته لمفهوم التشاكل بواسطة الاهتمام البارز "بالتشاكل التداولي" الذي أصبح يحتل موقعا هاما في التعريف باعتبار التشاكل "تنمية لنواة معنوية سلبيا أو إيجابيا بإركام قسري أو اختياري لعناصر صوتية ومعجمية وتركيبية ومعنوية وتداولية ضمانا لانسجام الرسالة"[4].
وقد أرجع مفتاح (1994)/1996)، وفق منظوره الدينامي، التشاكل التداولي إلى نواة دلالية واحدة هي الحياة / والممات، لأن التحليل التشاكلي، في نظره، القائم على التحليل بالمقومات يكشف عن بعض الثوابت الأنتروبولوجية الكونية
 وهو ما ينسجم مع التصور المعرفي التجرباني الذي دافعنا من خلاله سابقا عن وجود مقومات كلية بمثابة نواة تؤطرها التجارب الإنسانية المشتركة دون أي تجاهل لما قد يتفرع عنها من مقومات سياقية خاصة بكل ثقافة.
غير أن منظورنا لهذا المفهوم، ينطلق من اقتناع أساس يتمثل في ضرورة الانتقال من التشاكلين الدلالي والتداولي نحو مستوى تشاكلي تفاعلي ننعته بالتشاكل البلاغي - الدلالي الذي نستثمره لبناء الجهات البلاغية مع ضرورة تجاوز مفهوم التوازي، نتيجة قصوره الإجرائي، لإدماجه في نظرية التشاكل العامة.
فما مسوغات إلحاق التوازي بالتشاكل؟
نميز، في البدء، بين التوازي والتجنيس والتكرار باعتبارها ظواهر لصيقة منذ القدم بالآداب العالمية والخطابات السياسية والدينية...، وبين المفاهيم المرتبطة بدراسة تلك الظواهر انطلاقا من تعدد الاتجاهات الوصفية والتأويلية التي تضع قيودا مختلفة لقراءتها.
ومن ثم، ندرس الكفاية الإجرائية لمفهوم التوازي بالنظر إلى توفره على اقتضاءات تصورية في مختلف الأدبيات التي تتبناه.
إننا ننطلق من الفرضية التي دافع عنها مفتاح (1985) التي تعتبر التشاكل مفهوما عاما يشمل التكرار والتوازي والتجنيس.. وعليه، يمكن إدراج مقولة التوازي ضمن النسقين؛ التشاكل الدلالي والتشاكل البلاغي - الدلالي، خاصة أن القصور الإجرائي لمفهوم التوازي يتمثل في عدة اعتبارات، شأنه في ذلك شأن مفهوم الجناس في البلاغة العربية، نجملها فيما يلي:
- لا يشمل مفهوم التوازي تحليل الكلمات إلى مقومات من شأنها أن تحدد علاقات الاختلاف و التشابه بين الوحدات المعجمية.
- إن التوازي يفتقد إلى إوالية لوصف الحد متكرر في الكلمة الواحدة، وهو ما أدرجناه آنفا في "التشاكل الجهي".
- لا يشمل التوازي وصف التشاكل الصوتي في الكلمة الواحدة.
- إن مفهوم التوازي قد ظل سجين الأطروحات الوصفية للشعرية البنيوية، بينما تمت تنمية مباحث التشاكل في الدلالة اللسانية والدراسات السيميائية التأويلية.
ولهذه الاعتبارات أدرجنا التوازي ضمن مباحث التشاكل بالنظر إلى صياغتنا لمفهوم "تشاكل التوازي" الذي يؤول الجهات البلاغية المنتجة للأزمنة بواسطة تفاعل المكونات الصوتية والمعجمية والتركيبة في بناء مواز. ومنطلق هذا التوسيع، أن التوازي بوصفه تكرارًا لنواة صرافية - تركيبية في متواليتين أو أكثر، يراكم التناظر والتغاير على السواء، الشيء الذي يسمح باعتبار تراكم التكافؤ والتباين تشاكلات متوازية نحلل بعض نماذجها في بعض الأمثلة اللاحقة.
وبناء على ما سبق نتبنى الحد التالي:
يستند بناء التشاكل إلى تنمية نواة معنوية بإركام مكونات صوتية ودلالية وأيقونية ضمانا لانسجام الرسالة.
ومن ثم، نعتبر هذه الظاهرة عملية تشييدية - تأويلية تتم على مستوى البعدين التراكبي والاستبدالي للغة، ما دام كل تشاكل يعني تكرار وحدة لغوية ما، معلنة أو مضمرة.
غير أن العملية- الأساس هي تحويل مبدأ التكافؤ لمحور الانتقاء إلى محور التنظيم التراكبي. فكل مقوم يتحدد بعلاقة داخل استبدال معين؛ أي داخل طبقة من الوحدات الدلالية.
وتتوزع هذه العلاقة بين علاقة التماثل بالنسبة للمقومات العامة وعلاقة الانفصال بالنسبة للمقومات الخاصة.
لكن هذه العلاقات تنقل تشاكلاتها الممكنة إلى المستوى التراكبي القائم على المتواليات، إذ تسقط عليه خصائص التكافؤ والمشابهة واللامشابهة.
إن من نتائج هذا التصور أن تعريف التشاكل تراكبي وليس تعريفا تركيبيا، خاصة إذا افترضنا أن دراسة التشاكلات المرتبطة بالوحدة الدلالية (Sémème) تجري في نطاق الدلالة الجزئية المختلفة عن التركيب.
كما أن هذه الدلالة تصف مادة المحتوى، بينما يصف التركيب شكله، ناهيك عن أن تكرارات المقوم المتشاكل مرتبطة فيما بينها بعلاقة التماثل والتناظر دون علاقة الرتبة[5].
ومع ذلك، يمكن التأكيد على الدور الهام الذي تلعبه العلاقات التركيبية في توجيه تأويل التشاكلات انطلاقا من السياق اللساني.
وعليه، نؤكد بأن بناء التشاكلات يستند إلى القراءة والتأويل اللذين يطبقان إحدى أهم عملياتهما على الوحدات الدلالية، وهي المماثلة بواسطة مبدأ الإسقاط. وبذلك، لا يمكن اعتبار معيار عدم التناقض أساسا لتوجيه استراتيجية القارئ نحو بناء انسجام الخطاب.
ذلك أن عملية البناء هاته ترتكز أساسا على النظر في البعدين التراكبي والاستبدالي مع مراعاة مدى تأثير العلاقات التركيبية في إنتاج التعدد المعنوي دون الأخذ بقيد عدم التناقض.
إن هذه الاستراتيجية تمكننا من تحديد التشاكل الأفقي والعمودي في الخطاب (راستيي 1972).
فالأول يحدد بواسطة افتراض الوحدة المعجمية التي تمثل حقله، وتصنيف الوحدات المنسجمة معه.
وقد نشيد أكثر من تشاكل من خلال القراءة المتعددة للوحدات الدلالية.
غير أن الحقول المشيدة، هي حقول دلالية سياقية منسجمة مع ما ينتجه كل مجتمع من معارف وتصورات وفق أطر معرفية معينة.
وتؤدي القراءة الاستبدالية إلى تحديد التشاكل العمودي (أو الاستعاري) الذي يبنى على أساس العلاقة بين وحدتين دلاليتين أو مجموعة من الوحدات الدلالية المنتمية إلى حقلين مختلفين.
وهذا ما يفسح المجال لحصر المقومات الجوهرية أو العرضية بين الوحدات المتعالقة كما في التشاكل الاستعاري الوارد بين الوحدتين الدلاليتين 'رأس' و 'قمة' في الجملتين (19) و (20).
19_هذه قمة الجبل.
20_هذا رأس الجبل.
 إن المقوم المشترك بين الوحدتين 'رأس' و ' قمة ' هو [+حد] باعتباره مقوما جوهريا فيهما معا.
لكن المشترك بين الوحدتين الدلاليتين ' ثابتة ' و ' حية ' في الجملتين (21) و (22)، هو المقوم [+حي] باعتباره عرضيا في الأولى وجوهريا في الثانية.
21_هذه آثار حية
22_هذه آثار ثابتة.                                                                    
غير أن استثمار مفهوم التشاكل في الدرس الأدبي لتنمية كفايات الذكاء البلاغي لدى التلميذ يستلزم التركيز على مفهوم الجهة الدائرية الذي اقترحناه بوصفه مجالا معرفيا تلتقي فيه مختلف الكفايات والمهارات المرتبطة بتأويل الخطاب وبتفسير مجموعة من الظواهر البلاغية_ الدلالية والأسلوبية مثل الاستعارة والطباق والإيقاع بمختلف أنواعه....
[1]- كريماص (1986)، ص ص. 74-75 .
[2]- راستيي (1972)، ص. 82.
[3]- مفتاح (1985)، ص. 25.
[4]- المرجع نفسه.
[5] - راستيي (1987)، ص ص. 96-97.

التكرار الكلي للمعنى.. مفهوم التشاكل لإعادة قراءة وتقدير الموازنات يربط بين التكرار والمقصدية والسياق لضمان التعدد المعنوي

كان جمهور البلاغيين القدامى (ابن حجة، مثلا) قد اعتبر إعادة الكلمة الواحدة تكرارا لنفس اللفظ والمعنى، فإن الدراسات الشعرية الحديثة تعتبر التكرار الكلي للمعنى في نص فني أمرا مستحيلا.
ولهذا، فاختيار مفهوم التشاكل لإعادة قراءة وتقدير الموازنات، أمر استراتيجي، لأن هذا المفهوم يربط بين التكرار والمقصدية والسياق، الشيء الذي يضمن التعدد المعنوي لأي خطاب.
إضافة إلى ذلك، يسمح لنا مفهوم التشاكل بتبني جهة الأوضاع ضمن التشاكل الجهي الذي ينسحب على الوحدة المعجمية الواحدة.
فمثلا، فعل يلعب في الجملة (المثال أسفله) لا يؤشر على أية مجانسة دلالية بالمعنى البلاغي العربي القديم، لكنه في منظور نموذجنا يتوفر على تكرار نشاط اللعب في فترة زمنية معينة.
المثال: كان سعيد يلعب في الشارع.

التكرار في الشعر.. تحقيق وظيفة إيقاعية دلالية بواسطة التشاكل الصوتي بالنظر إلى التحليل المعرفي

إن ظواهر التكرار التي لا يؤطرها مصطلح "الجناس" بالمعنى التقليدي، يعيد تقديرها "التشاكل"، كما هو بين في تحليل المثال الموالي.
يقول الجرجاني: " (...) أتراك استضعفت تجنيس أبي تمام في قوله:
ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت
فيه الظنون: أمَـذهَـبٌ أم مُـذهَـب
واستحسنت تجنيس القائل:
" حتى نجا من خوفه وما نجا " وقول المحدث:
ناظراه فيما جنى ناظراه    أودعاني أمت بما أودعاني
لأمر يرجع إلى اللفظ ؟ أم لأنك رأيت الفائدة ضعفت عن الأول وقويت في الثاني؟ ورأيتك لم يزدك بمذهب  ومُـذهب على أن أسمعك حروفا مكررة، تروم لها فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة، كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفاها، فبهذه السريرة صار التجنيس - وخصوصا المستوفى منه المتفق في الصورة - من حلى الشعر ومذكورا في أقسام البديع".
يحقق التكرار في بيت أبي تمام، الذي استضعفه الجرجاني، وظيفة إيقاعية-دلالية بواسطة التشاكل الصوتي.
فقد لعب الشاعر بالنواة: ذهب، إذ راكم الوحدات؛ ذهبت مَـذْهَـب ومُـذهَـب.
وهذا ما ترتب عنه تشاكل صوتي وتباين دلالي. وذلك بالنظر إلى المستوى التركيبي لهذه الوحدات؛ الفعل، الجار والمجرور.... ثم بناء على تعددها المعنوي باعتبارها وحدات دلالية (Sémèmes). ذلك أن 'مـَـذْهـب' تؤشر على 'المعتقد' الذي يُـذهب إليه. أما 'مُـذهَـب'، فتحيل على 'التمويه' و 'الزيف': (وكل ما موه بالذهب فقد أُذهـب، وهو مُـذْهَـب، والفاعل مُـذهِـب. والإذهاب والتذهيب واحد، وهو التمويه بالذهب).
وتتشاكل ' مُـذهِـب '، بهذا المعنى، مع الوحدة ' المُـذهِـب '؛ إسم شيطان، باعتبارها وحدة دلالية خفية أو مضمرة . ويقوم التشاكل بينهما على أساس المقوم المشترك: [+ خداع] أو [+ تمويه]، في مقابل المقوم [+ اعتقاد راسخ] الذي تحتويه الوحدة الدلالية ' مَـذهب'.
وهكذا، فالتعدد المعنوي للوحدات الدلالية السابقة، يتحدد كذلك بالنظر إلى التحليل المعرفي، انطلاقا من اعتبار "مَـذهب"،  تحويلا للمجال الفضائي (الذهاب)، وهو المجال- الأصل (أو الشاهد الأمثل)، إلى المجال - الهدف؛ الفضاء الذهني ( الاعتقادي - الأخلاقي). أما الوحدة الدلالية "مُـذهَـب" فإن مجالها الأصلي هو الاشتغال بأشياء في الفضاء (الذهب)، بينما مجالها - الهدف يحيل على الزيف والخداع بوصفهما فضاءين ذهنيين كذلك.   
ومن هنا، نجح أبو تمام في وضع دلالة البيت الشعري ضمن مقصدية المدح بواسطة المبالغة وضمن مستويات متعددة لثنائية: التشاكل / اللاتشاكل، نوضحها كما يلي:
التشاكل
اللاتشاكل

م. الصوتي
- تراكم أصوات  > ذ، هــ، ب، م.. <
- إضافة النون، مثلا، وحذف التاء...
م. التركيبي
- تراكم الفعل الماضي: [ذهبت، التوت.]
- تراكم الفاعل: [السماحة ، الظنون]
- التقابل التركيبي: - التنكير (مذهب)،    والتعريف (السماحة....)
م. الدلالي
- مُـذهَب، المُـذهب: [+ تمويه] و[+ شيطان]...
- مَـذهب، مُـذهَب: تحويل من المجال الفضائي إلى المجال الاعتقادي.
- مَـذْهَـب: [+ اعتقاد راسخ]،
- مُذهَب: [+ خداع]، [+ تمويه].

العلاقة بين حقلين معجميين مختلفين.. ضرورة لتحديد المقوم العرضي وربط الإيحاء بالمكونات الثقافية والبلاغية والأسلوبية

إذا كان راستي يعتبر مؤولة العلاقة و2  ¬و 4 تستند إلى معايير اجتماعية، فإننا نرى، من جهتنا، أنها تبعا لذلك، مرتبطة بنموذج معرفي مؤ مثل خاص ببنية اجتماعية معينة تعرف الكائن الإنساني - الأنثى باعتباره كائناً ضعيفا.
ومن ثم، فالوحدة - الأصل هي: و2، أما الوحدة الدلالية - الهدف و4، فإنها تحوي المقوم العرضي.
_17' امرأة ' ¬  [+ ضعف].
وهكذا، فاشتراط وجود حقلين دلاليين مختلفين، باعتباره ضرورة لتحديد المقوم العرضي، يفسر اعتبار هذا النوع من المقومات بمثابة إيحاءات، كما يعني أن نسقا ثانيا للمحتوى قد تمفصل بواسطة نسق أول.
ومن هنا، فالنسق الوظيفي للغة يحدد الحقول المعجمية، أما المعايير المختلفة، فتحدد العلاقات بين هذه الحقول - الطبقات.
غير أن النسق الوظيفي للغة لا يحدد دائما، حسب بوتيي (1974) كل الحقول المعجمية، إذ يمكن أن نجد ما يسميه " الحقول المعجمية للتجربة" (Taxèmes d’expérience).
وعلى هذا الأساس، فالتعارض بين المقوم الجوهري والمقوم العرضي، تعارض (= تقابل) نسبي، بحيث يمكن لمقوم جوهري متعلق بوحدة دلالية ما، وفي لغة وظيفية معينة، أن يكون لنفس هذه الوحدة الدلالية مقوما عرضيا في لغة أخرى، بل داخل اللغة الواحدة ، وبواسطة التطور، يمكن لأي مقوم أن يغير وضعه تبعا للحالات المختلفة للوحدة الدلالية التي تحتويه.
إضافة إلى هذا، هناك مبدأ عام؛ هو أن مقومات جوهرية لوحدة دلالية ما، يمكن أن تكون عرضية في وحدة دلالية أخرى.
والجدير بالذكر أن مفهوم المقومات العرضية (المضمرة) لم يهتم به بعض الباحثين أمثال كَريماص و كورتيس (1979)، بل نجد بعضهم من نفى عنه صفة "مقوم" أمثال كيفر وجماعة m الذين اعتبروه غير ذا أهمية.
أما راستيي فيعتبره ثانويا بالرغم من أهميته. بيد أن مفتاح (1985) أولى اهتماما كبيرا للمقومات الخفية من خلال مفهوم "النواة التداولية" التي يحقق تكرارها التشاكل أيضا.
لكن إيكو ( 1968) يركز على المسألة الثـقافية في علاقتها بالإيحاء الذي يعرفه بكونه مجموع الوحدات الثقافية التي يمكن للدال أن يوجدها في ذهن المتلقي. ففي ثـقافة ما، نجد متوالية المؤولات الخاصة بعبارة ما، تبرهن على أن هذه العبارة يمكن أن تربط ثانية بكل العلامات التي تحيل عليها.
كما تؤكد أوريكيوني (1977) على أهمية الأطروحات السابقة مع ربط الإيحاء بالمكونات الثقافية والبلاغية والأسلوبية، وذلك باعتباره كل قيمة معنوية مضافة إلى المعنى الأول.
لكن الباحثة انتبهت إلى عدم اهتمام نظرية تحليل المقومات بالوظائف الإيحائية[12].
ولذلك، كان اقتناعنا راسخا لاختيار المقومات العرضية قصد تمثيل الإيحاء تمثيلا إجرائيا ضمن الجهات البلاغية، سواء على المستوى المعجمي أوالفضائي للقصيدة.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لمفهوم المقومات العرضية بالنسبة لدراسة الأنساق الإيحائية، في علاقته بالسياق التداولي المنفتح على الأنساق الثقافية والاجتماعية بل و المعرفية، خاصة أننا اعتبرنا آنفا الإيحاء علاقة بين مختلف النماذج المعرفية المؤمثلة، كما أن هذا المفهوم يسمح للتلميذ باكتساب وتطوير كفايات التركيب بين مختلف الأنساق الثقافية التي تنفتح عليها مداركه، بل يساهم في تطوير الكفاية التواصلية بشكل جيد لديه.
وعليه، نصل إلى تحديد مفهوم الجهة البلاغية بوصفه يمثل المجال المعرفي الأساس لتنشيط مختلف الآليات البلاغية والدلالية السابقة.
وهو ما يستدعي توظيف مفهوم التشاكل ونقد مفهوم التوازي على غرار نقدنا السابق لمفهوم الجناس.

مستويات التشاكل واللاتشاكل.. دراسة التعدد المعنوي لتقديم التفسير والتأويل النسقيين لمثل تلك الأنماط التكرارية

في دلائل الإعجاز، قدم الجرجاني أطروحات أخصب حول 'التكرار' و 'الإعادة'، بالرغم من أنه لم يصرح بانتمائها إلى 'الجناس'، بحيث اكتفى باعتبارها من بين أهم مؤشرات النظم.
وبذلك، اهتم بقصد المتكلم أولا، ثم بالنظم ثانيا، لكونهما يضيفان معاني جديدة إلى اللفظة أو العبارة المكررة، كما هو الشأن بالنسبة للاختلاف الدلالي بين الجملتين (13) و (14).
_13   زيد كالأسد.
_14كأن زيدا الأسد.
فالجملة (14) تضيف، في نظره، إضافة جديدة إلى معنى التشبيه لا توجد في الجملة (13)؛ فزيد، هنا، أقرب إلى الأسد من شدة ما يتصف به من خصائص الشجاعة.
وقد ساهم في تشكيل هذا المعنى، قصد المتكلم، والنظم المتضمن للتكرار مع تركيب مختلف عن الجملة (13) إذ قدمت الكاف إلى صدر الكلام.
ومن ثم، عبر الجرجاني عن التعدد المعنوي "بالغرض" المضاف إلى المعنى الأصلي.
بيد أن دراسة التعدد المعنوي ضمن نظرية التشاكل العامة، تمكننا من تقديم التفسير والتأويل النسقيين لمثل تلك الأنماط التكرارية، خاصة أن مفهوم "الجناس" في البلاغة العربية، يفتقد إلى البعد الإجرائي وإلى الكفاية الو صفية، والانسجام الاصطلاحي.
فقد وظف المصطلح التجنيسي بعدة مفاهيم؛ " فالمطابق"، مثلا، عند ثعلب: التجنيس بجميع أنواعه، وعند قدامة: التجنيس التام (مقابل المجانس)، وعند أبي طاهر: تجنيس الاشتقاق، وعند ابن سنان: الاشتقاق وشبه الاشتقاق... الخ.
كما نجد المفهوم الواحد بعدة مصطلحات، فما دعاه ثعلب "مطابقا "، نعته ابن المعتز "بالتجنيس".
   وعليه، نعتبر ما قدمناه من تحديد لمفاهيم لسانية وبلاغية من قبيل الاستلزام الحواري والتعدد المعنوي يدخل في قلب استراتيجية التدريس بالكفايات، حيث تقدم تلك المفاهيم للتلميذ المجال المعرفي لتطوير كفايات التأويل والتقدير والحكم والنظر إلى مكونات الخطاب نظرة تفاعلية نسقية شاملة.
غير أن تأويل المعاني الخفية وتقويم التكرار ودلالته يستلزم أيضا البحث في مفهوم المقومات وأنواعها كدخل أساس لتحديد مفاهيم التوازي والتشاكل والجهة البلاغية.

تجنيس الاشتقاق.. تحديد التعدد المعنوي والاهتمام بالجناس الصوتي داخل الكلمة الواحدة والتجانس الصوتي الموزع على طول الملفوظ الشعري

إن القائلين أنفسهم بتجنيس الاشتقاق (قدامة والسكاكي مثلا)، لما أهملوا شرط اختلاف المعنى، لم يطوروا بذلك مفهوم الجناس، بل وضعوا نظرية المعنى في البلاغة العربية ضمن مأزق جديد.
إذ لا يعقل أن ندعي عدم وجود اختلاف معنوي بين غالب ومغلوب، مثلا.
ذلك أن السياق بنوعيه، والنظر في البنية التركيبية الصرفية للصيغتين كفيلان بتحديد التعدد المعنوي لهما.
أما بخصوص الاهتمام بالجناس الصوتي داخل الكلمة الواحدة، فإن بعض الملاحظات الهامة، لم يتم تطويرها، مثل فكرة الخليل حول المجانسة الصوتية في كلمة: دهدق، حيث إن التشاكل الصوتي وارد بين (دهـ) و(دق).
كما  أن حديث بعض البلاغيين العرب عن التجانس الصوتي الموزع على طول الملفوظ الشعري ظل مقتصرا على الإشارة إلى المعاظلة كما هو واضح في تعليق ابن الأثير على هذا البيت الشعري:
وقبر حرب بمكان قفر -- وليس قرب قبر حرب قبر
 بحيث قال: (فهذه القافات والراءات كأنها في تتابعها سلسلة، ولاخفاء بما في ذلك من الثقل).

التعدد المعنوي.. الدلالة المعرفية والدلالة اللسانية وتعدد المعاني المرتبطة بالحالات المختلفة لوحدة دلالية معينة

تتقاسم كل من الدلالة المعرفية والدلالة اللسانية مبحثا دلاليا مركزيا يتعلق بتعدد المعاني المرتبطة بالحالات المختلفة لوحدة دلالية معينة.
ومن ثم، نعتبر، في مرحلة أولى، أطروحات الدلالة المعرفية بخصوص هذا المبحث مدخلا أساسيا لتحديد الإطار المعرفي لتعدد المعاني في بعض الأوجه البلاغية الزمنية، ومنها "الجناسات".
وبذلك، يمكن إدراج التعدد المعنوي في إطار مقولات المعاني (Categories of senses)، حيث كلمة واحدة أو كلمات متشابهة في اللفظ تتوفر على أكثر من معنى.
فقد لاحظ فيلمور 1982 أ على سبيل المثال، أن الصفة: Long، تتوفر على معنيين؛ واحد فضائي والآخر زمني. لكن المعنى الفضائي يأخذ به عامة باعتباره شاهدا أمثلا، ويرتبط به المعنى الزمني بواسطة الاستعارة.
ومن هنا، فمعنى الكلمة في مجالها الأصلي يشكل الأساس، كأن يمثل المجال الفضائي المجال الأصلي لكلمة: UP في اللغة الإنجليزية:
The rocket went up_5  
أما ميدانها - الهدف الذي تحول إليه فيتعلق بالمشاعر في الجملة التالية:
I’m feeling up today_6 
حيث إن معنى كلمة UP هنا،  هو: سعيد.
ونفس التحويل نجده في الجملتين التاليتين:
  _7 رحبة رحبة.
_8  فاطمة رحبة الصدر.
ذلك أن الوحدة الدلالية 'رحبة ' انتقلت من المجال الفضائي في الجملة (7) إلى مجال المشاعر في الجملة (8)، إذ شكلت الكناية أداة للربط بين المعنيين بواسطة تعيين المجال الأول للثاني.
   وتقوم الأطر بالمعنى الذي قدمناه آنفا، بوظيفة أساسية في تعدد المعنى انطلاقا من تجارب الإنسان المبنية بطريقة ذات معنى. وهكذا تتعدد الأطر وتتعدد المعاني، إذ نجد، مثلا،  الإطار - الحاوية الذي يتكون من التمييز الجسمي بين الداخل / الخارج، حيث نعتبر أجسامنا حاويات؛ أي نأخذ الهواء إلى داخل أفواهنا ونخرجه منها، كما ندخل بالأجسام إلى الأغطية، بل يدخل الإنسان زواجا ويخرج منه بالمعنى الاستعاري.
ثم هناك الإطار الجزئي-الكلي الذي يحيل على تجاربنا باعتبارها ناتجة عن وجود كلي مع استعمال أجزاء من الجسم الإنساني. وبذلك، نجرب أجسامنا، باعتبارها كليات، مع جزئيات. ولكي نحيط بالعالم لا بد من الوعي بالبنية الجزئية - الكلية للأشياء الأخرى.
واستعاريا، ينظر إلى العائلات على أساس أنها كل مع أجزاء، وينظر إلى الزواج باعتباره تكوينا للأسرة: الكل، مع الشريك: الجزء.  
ومن الأطر المتعددة التي تتوفر على معان في حياة الإنسان، نجد إطار الطريق - الهدف، وإطار الفوق - الأسفل، وإطار الأمام - الوراء... الخ، فهي أطر تؤكد بأن العقل الإنساني يستند إلى تجارب الإنسان الجسدية، كما يستند إلى الاستعارة التي تضع تلك الأطر في ميادين مجردة.
وهذا يعني، في نظرنا، أن تلك الأطر تمثل الأسس الدلالية الكلية لتجارب الإنسان. وبذلك يجوز الحديث عن مقومات(Sèmes) كلية تؤطر التجربة الإنسانية بشكل عام.
وهذا ما يجعل أطروحتنا تختلف مع التصور الدلالي اللساني (راستيي 1987) الذي ينفي وجود مثل تلك المقومات. 
لقد دافع كل من يلمسليق و ياكبسون عن فكرة وجود بعض المقومات التي تمكن من وصف محتوى كل اللغات. كما أن كاتز (1971)، طرح مسألة وجود مقولات دلالية لكل اللغات من خلال مفهوم الأفكار الفطرية.
لكن راستي (1987) قد اعترض على مثل هذه الأطروحات بقوله إن المقومات تحدد العلاقات بين الوحدات المعجمية، وبالتالي فإن اللغات تمعجم التجارب المتبادلة والشائعة، مما يجعل المقومات خاصة بلغة معينة.
هذا، إضافة إلى أن المقومات وحدات لغوية بينما الكليات ذات مستوى تجريدي؛ ما فوق لغوي.
   يمكن نقد هذا التصور بالنظر إلى الإطار المعرفي الذي اعتمدناه آنفا، الذي يمكن في ضوئه ربط المقومات بالأطر، وبالتالي، بالنماذج المعرفية المؤمثلة.
وهذا ما يجعل كل المقومات بمثابة تمثيل ذهني للعالم. ثم إن القول بأن المقومات ذات طابع سياقي لا يعني عدم توفر بعضها على خاصية الكلية بالمعنى الذي يجعلها كليات ناتجة عن التجارب الإنسانية المشتركة.
   غير أننا لا نتبنى هذا المفهوم (المقومات الكلية ) بمعنى أصول وكليات النظرية الدلالية (مارتان 1976 و 1983، وبوتيي 1980 أ) حيث يفهم المقوم الكلي، في هذا السياق، بمعنى اللغة الواصفة الدلالية التي يتم استدعاؤها بحسب استراتيجية المحلل - القارئ، والتي تشكل كليات المنهج المساعدة على بناء النماذج.
   وهكذا، نؤكد على توفر جميع اللغات على كليات دلالية يمكن تحليلها بواسطة المقومات انطلاقا من وجود ثوابت إنسانية، بحيث إن التحليل التشاكلي (القائم على التحليل بالمقومات يتجاوز مهمة إثبات انسجام الرسالة إلى الكشف عن بعض الثوابت الانتربولوجية مثل ثنائية: الطبيعي / الثقافي الحياة / الموت (....) (و) إذا ما أخذنا بمقترحات الظاهراتية التجربانية فإن فرضية انسجام النص تصبح تحصيل حاصل لأن أي نص يدور حول تلك الثوابت، وهي هي، مهما اختلفت الثقافات والموضوعات، وتبعا لهذا فإن المفردات مترا دفة ومتداخلة ترادفا وتداخلا شاملين.
لهذا يمكن تنويع مقولة: الحياة / الممات؛ الطبيعي / الثقافي إلى: الحرب / السلم؛ السيولة / الصلابة؛ الشهوات / الزهادة ؛ الانفعالات / اللا إكثرات ؛ التدين / الإلحاد؛ التملك / رفع الحيازة ..).
ومن هنا، يمكن إعادة بناء تعريف المقومات على النحو الآتي:
- المقومات مجموعة من الخصائص الدلالية المميزة لوحدات دلالية ما، في سياق تواصلي ما، وضمن شروط ضرورية مناسبة لنماذج معرفية مؤمثلة خاصة ببنية اجتماعية معينة. والمقومات بذلك، قد تنتج عن النسق الوظيفي للغة أو عن المعايير الذاتية والاجتماعية أوعن الكليات البشرية (الإنسانية ) مما يسمح بوجود نسق أو أنساق للتعدد المعنوي حتى داخل النسق اللغوي الواحد. 
والواضح، كذلك، أن تعدد الأطر، مرتبط بتعدد التجارب الإنسانية وتناظرها، كما أن وجود علاقات طبيعية داخل الصورة - الإطار تكون باعثة على تعدد المعاني، وذلك من حالة إلى أخرى في المعجم إذ يمكن توظيف الكلمة الواحدة بواسطة إطارين؛ إطار الطريق، مثلا، وإطار النهاية، كما هو بين في الجملتين التاليتين:
   _9 كان خالد يسير فوق الجبل (الطريق).
   _10 كان خالد يستريح فوق الجبل (النهاية).

البناء الموازي.. التشاكل التركيبي المبني بواسطة تكافؤ العناصر يراكم في بناء مواز التشاكل الدلالي والصوتي

ننطلق من الفرضية التي دافع عنها مفتاح (1985) التي تعتبر التشاكل مفهوما عاما يشمل التكرار والتوازي والتجنيس... وذلك لكونه يشمل التحليل بالمقومات ووصف وتأويل التشاكل الصوتي والحد ' متكرر' في الكلمة الواحدة.
ثم إن مفهوم التوازي ظل سجين الأطروحات الو صفية للشعرية البنيوية، بينما تمت تنمية مباحث التشاكل في الدلالة اللسانية والدراسات السيميائية التأويلية (شكري 2001).
وعليه، أدرجنا التوازي ضمن مباحث التشاكل بالنظر إلى صياغتنا لمفهوم تشاكل التوازي الذي يؤول الجهات البلاغية المنتجة للأزمنة بواسطة تفاعل المكونات الصوتية والمعجمية والتركيبية في بناء مواز.
ومسوغ هذا التوسيع، إضافة لما سبق، أن التوازي بوصفه تكرارا لنواة صرافية_تركيبية في متواليتين أو أكثر، يراكم التناظر والتغاير على السواء، الشيء الذي يسمح باعتبار تراكم التكافؤ والتباين تشاكلات متوازية نحلل بعض نماذجها في الأمثلة الموالية.    
32_Je vous blâmais tantôt, je vous plains à présent     
(كورنيي، عن ملين وتامين،1982،ص.209.)
إن تشاكل التوازي في المثال (32) يتم بناؤه اعتمادا على تماثل القضايا التامة والمتكافئة بواسطة تعادل الجملتين في عدد مكوناتهما.
33_كل ما هب، وما دب، وما -- نام، أو حام على هذا الوجود
 من طيور، وزهور، وشذى -- وينابيع، و أغصان تميد....       
وبحار،  وكهوف،  وذرى -- وبراكين، ووديان، وبيد.....
وضياء، وظلال، ودجى,., -- وفصول، وغيوم، ورعود...
وثلوج، وضباب عابر،... -- وأعاصير وأمطار تجود.....  
وتعاليم،  ودين، ورؤى، -- وأحاسيس، وصمت، ونشيد...
كلها تحبا بقلبي حرة -- غضة السحر، كأطفال الخلود...
 (ديوان أبي القاسم الشابي، صص.453_454)
     ينتظم الزمن الإيقاعي هذه الأبيات بواسطة تشاكل التقطيع التركيبي، ومحافظة مكونات الجمل في الأبيات الشعرية الستة أساسا على نفس الرتبة الأولية التي ينتجها البيتان؛ الأول والثاني.
ويقتضي هذا النظام تفاعل الجهة الدائرية، حيث تعادل العناصر، مع الجهة الخطية حيث تتابع العناصر في شكل سلسلة دائرية.
غير أن هذا التشاكل التقطيعي- التركيبي يحوي تراكما للأداتين ( كل ومن) اللتين تظهران ثم تختفيان، الشيء الذي يعني أنهما تؤشران في الجمل المتناسلة على الضم؛ إذ تغيبان صوتيا وتحضران دلاليا في جمل من قبيل:وX ما دب، وX ما نام... وX زهور، وX شذى....
إن التشاكل التركيبي المبني بواسطة تكافؤ العناصر يراكم في بناء مواز التشاكل الدلالي والصوتي كذلك.
ذلك أن تشاكل الحياة يهيمن على الوحدات الدلالية 'هب'، ' دب '، ' طيور'، 'زهور'.... ويوازي تشاكل الصوامت (م، ر، د، ن، ل... ) وتشاكل الصوائت القصيرة والطويلة.  
وهكذا، فالبناء الموازي لمختلف التشاكلات ينبني على أساس الترادف، والتباين (الطباق)، والتوليف ( أو التراكب الاستعاري )، ناهيك عن التماثل والتقابل الصوتيين، ضمن مسارات متوازية للانفصال والاتصال، التي تشكل خصائص هامة لظاهرتي الفصل والوصل.
ذلك أن بعض التشاكلات المعجمية والتركيبية تأخذ شكل بنيات مزدوجة تتفاعل فيها جميع الجهات.
لنحلل المثال الموالي:
34 For he hath founded it upon the seas, 1
(And) established it upon the floods. 
                              2
(عن جونستن1991، ص.21)
إن علاقة الاتصال التركيبي والدلالي بين الجملة الأولى والثانية قد تمت بواسطة أداة اتساقية هي And التي تناظر واو العطف في العربية. وبذلك، يقود هذا الاتصال، المعتمد على قيد التتابع في الجهة الخطية وقيد تشاكل الوظائف التركيبية والدلالية والتداولية في الجهة الدائرية، إلى وضع العناصر الموصولة فيما تنعته جونستن (1991) بالزوج المعجمي (Lexical couplet) الذي نضيف إليه "الزوج التركيبي".
وبذلك، فالوصل بين وحدتين معجميتين في سياق تركيبي ما، يؤشر على تشاكلهما في الوظيفة التركيبية والوظيفة الدلالية مع إمكانية تشاكلهما في الوظيفة التداولية.
وهكذا، إذا كانت الجهة البلاغية تؤشر في الشعر والنثر على الوظيفتين المعرفية والبلاغية، فإنها تسمح، تبعا لذلك، بتنمية الكفايات الحجاجية والوصفية_ السردية.
غير أننا نفضل طرح إشكال غالبا ما يعترض الأستاذ والتلميذ معا، وهو: كيف نؤول الحجاج والحكي في الخطاب الشعري؟
ويأتي طرح هذا الإشكال في سياق اهتمام البرنامج الدراسي لمختلف المواد (بما فيه البرنامج المرتقب للغة العربية الخاص بالجذوع المشتركة) بظاهرة الحجاج والسرد بوصفها ظواهر لا توجد فقط في الخطابات الفلسفية والحكائية بل تخترق مقصدية الخطاب الشعري كذلك.