المثالية في الشعر الجاهلي.. عنق المرأة كجيد الغزال، وشفتاها كأوراق الورد، وعيناها كعيني البقرة الوحشية. بسمتها تغريك باستجداء اللذة، وحديثها يوحي إليك بطعم فمها العسليّ



نقصد بالمثالية ذلك الطلب الدّؤوب لصور الكمال الأمثل في كلّ موصوف ومتحدَّث عنه. فالشّاعر الجاهليّ عندما يتحدّث عن الحبيبة يتخيّر لها أكمل الصّفاتِ وأشرفَها، ولم تكن حوّاءُ بين يديه إلاّ مَلَكاً كريماً في محراب الشّعر، ولم يتناولها في ريشته السّاحرة الشّاعرة كما هي قطّ. المرأة لديه ملاذ، وبداية رحلة، وحضن دافئ، وتمثال مرمريّ مقدّس، ومستودع ذكريات.

لم يصوّر لنا الجاهليون امرأة شرسة نكدة، ولم يوصلوها إلى جناح الشّعر مثقلة بوظائفها العضوية - إلاّ في حالات الهجاء القليلة.

وفي الغالب الأعم كانت مولّداً شعرياً لشاعرنا الفارس النبيل: ترحالها يلهمه، ونظرتها تنطقه، وهي بعيدة جداً عن تكوين الإنسان البيولوجي.

فهل قرأنا لشاعر جاهليّ دون أن نحتفظ بهذه الصورة. إن المرأة، وهي نائمة تنشر المسك والزعفران، وكافة أنواع الطّيب، ودائماً ساحرة وفتّانة ، وكأن الشّاعر ألْبَسها غلالة مسحورة، لا يريد أن يراها إلاّ من خلالها.

وكان خياله الرسّامُ يمدّه بالكثير من الصّور الخلاّبة المتدفقة بالسحر، والجمال، والصّفاء، والطّهر.
فالرّسوم الطبيعية المنتزعة من البيئة الجاهلية، والتي رَصَفَ بها جسدَ حوّاءَ وجوارحَها، كانت كلّها شهيّة الطّعم، لذيذة المذاق، محبّبة إلى النفس: لوناً، وشكلاً، وشذى.

عنق المرأة كجيد الغزال، وشفتاها كأوراق الورد، وعيناها كعيني البقرة الوحشية. بسمتها تغريك باستجداء اللذة، وحديثها يوحي إليك بطعم فمها العسليّ، وأسنانها كأوراق الأقحوان، وشَعْرها جدول من جداول الليل يتيه المشط فيه ، ونهداها جامدان متماسكان دائماً.

وبطنها قطعة من نسيج فضيّ أملس، وهي دقيقة الخصر أبداً، حتى لكأنّها قطعتان التحمتا بعنق دقيق.
وكان يخشى الشّاعر عليها من أن تتقصّف أثناء السّير. ولرقّتها لا تكاد قدماها تلامس الأرض، بل تكاد ترقص كالجمال. ويرقّ امرؤ القيس فيدّعي أنّ النّملة الصّغيرة لو سارتْ على بشرتها لآذتها أو جرحتها. وأخشنُ ما عليها أن تستر به هذا الجمالَ وهذه الرقّةَ المفرطةَ الخزُّ.

أمّا السّوار والدّملج والقرْط فقد بثّها الشّاعر الرّوح ونفخ فيها فإذا هي تتحسّس مواضع الجمال من هذا الجسد المثير. وإذا اعتصر الشّاعر ثوباً لامس جسمها قطَرَ منه المسْكُ والكافورُ والطّيبُ. والأثر الأوحد الذي تفرزه جوارح المرأة هو دمعها، ولم يبخلِ الشّاعر على هذا الأثر فأكسبه الكثير من الرّونق.

والمرأة لا تبرح ذهن الشّاعر الجاهليّ، ولا تفارق خياله. ونحن نحسّ الآن أنّ الجاهليّ كان ينظر إلى هذا المخلوق السّاحر - المرأة - نظرة فيها الكثير من التقديس، والتّألية، والعطاء، والخير. فهو إذا فَرَدَ ذكريات الأمس يدخل حتّى إلى ذاكرته من خلال حوّاء، وآثار أقدامها، وصورة هودجها، ووسوسة حلْيها، ومن وراء نظراتها الذّابلة الهادئة. وكأن التجربة الشّعرية الجاهلية مرتبطة بالتكوين الأنثويّ الذي يذكرّ شاعرنا الجاهليّ بسرّ مغلق من أسرار التّوالد والبقاء. وعنصر الأنوثة كان لديه، أو في غمرة شاعريته الفيّاضة الأنبوب الذي يتدفق منه جدول الشّعر.

وتركيزنا على هذه الخاصّة جاء من الالتحام الوثيق الذي كان بين القصيدة وحوّاء . فدريد بن الصمّة يرثي أخاه متوجّعاً متفجّعاً، ولكنّه يصل إلى أحزانه من خلال "أمّ معبد".

وزهير بن أبي سلمى ينشر حِكَمَهُ التي حملتْ مثالية المجتمع الجاهليّ، ويطرق باب الحكمة في معلقته بيد "أم أوفى".
وقيس بن الخطيم يسرد تاريخ حرب بين الأوس والخزرج - وهي الحرب المعروفة بيوم حاطب - وقبل وصوله إلى صليل السّيوف، وقراع الكتائب، والجيش الذي رآه موجاً آتياً متراكباً، وقبل الفخر في ذاته التي تُقْدم طائعة على الحرب والسّلم، والحياة والموت جميعاً، قبل كلّ ذلك يتقدّم من بين يدي الحبيبة التي عرفها صغيرة غرّاً ذات ذوائبَ ، إلى أن نَمَتْ ورآها تحجّ وتنشر الفتنة في البيت الحرام.

وليس هذا فحسب، بل هي من الرّقة والرهافة والوضاءة بحيث لو بدا نصف وجهها فقط تبدّتْ لقيس كنصف الشمس. ونصفها الثاني تغشّتْه سحابة.
وإذا ما وصف الشّاعر ناقته فإنه يسلك - في ذلك الوصف - مسلك التركيز على الإشارات الدّقيقة المشحونة بالإيحاء النفسي للخروج بصورة ناقة سريعة وافرة النّشاط تبذل من جهدها ما يبهر الشّاعر.

وقد أشرنا في أثناء حديثنا عن ناقة كعب كيف يحاول الشّاعر أن يلملم لنا صورة ماديّة متكاملة للناقة، وهي صورة لا توجد في ناقة واحدة في وقت واحد، ولكن عناصرها تقع في الحياة متفرّقة، والشاعر الجاهليّ عموماً يركّب من أحسن هذه العناصر صورة واقعيّة في أصولها مثاليّة في نهايتها.

وعندما يصف الجاهليّ جواده فإنه ينحت له من الخَلْق والخُلُق ما هو جدير بمثل أعلى، قادر على طلب الوحوش، فلا يستطيع أشدّها عَدْواً أن يفلت منه لقدرته على الإحاطة بها ، فكأنّه قيد لها.

ويعمد امرؤ القيس - وهو يصف عناصر جسد فرسه الرئيسة - إلى مقارنة تشبيهية منتزعة من حيوانات أخرى تفوقه في بعض حركاتها وأوصافها. ففيه من الظبي خاصرته، ومن النّعامة ساقها، أمّا عَدْوه فيشبه الذئب في إرخائه، ووليد الثعلب في تقريبه. "وإذا ما نظرت إلى مؤخرته رأيته عظيم الأضلاع، يسدّ ما بين ساقيه بذنب مستقيم. ولعلّ تخصيصه لمدى تدلّي الذّنب بلفظة "فويق" وهي تصغير "فوق" يدلّ على عناية هذا الفارس بالدقائق والجزئيات والمحاكاة بين الواقع الشّعري والواقع الحسّي".

ويستمر الشّاعر في عرض صوره، كأنها شريط سينمائي تمرّ الصورة تلو الصورة، فتؤثر في المتلقّي، إنه يشبّه انملاس ظهر جواده واكتنازه بالحجر الذي تسحق العروس عليه الطّيب، أو الحجر الذي يكسر عليه الحنظل. ثم يعود للحديث عن سرعة عدْوه فيقول: "إنه يدرك مقدمة الطّرائد الهاربة ويقيّدها، فما تطعن طريدة حتى يصبغ نحره بدمائها، فيظهر شعره الملطخ بدماء الهاديات، كأنه شعر مسرّح أشيب، صبغ بعصارة الحنّاء":
له أيْطلا ظبي وساقا نعامة -- وإرخاءُ سَرْحانٍ وتقريبُ تتْفُلِ
ضليعٌ إذا استدبرتَهُ سدّ فَرْجه -- بضافٍ فُوَيْقَ الأرض ليس  بأعزلِ
كأن على المَتْنين منه إذا انتحى -- مَداكَ عروسٍ أوْ صلايَةَ حنظلِ
كأن دماءَ الهادياتِ بنحره -- عُصارةُ حِنّاءٍ بشيْبٍ مُرَجّلِ

وإذا ما افتخر الجاهليّ فإنه ينتقي لنفسه ولقومه من الشّيم العربية ما يكاد يجعلهم فوق العالمين، على نحو ما يطالعنا هذا في قول عمرو بن كلثوم:
لنا الدُّنيا ومَنْ أضحى عليها -- ونبطش حين نبطش قادرينا
ملأنا البَرَّ حتى ضاقَ عنّا -- وظهر البحر نملؤه سفينا
فيخيّل للقارئ أن بني تغلب كانوا إمبراطورية عظمى في ذلك الزمن.

ولا ننكر أن قبيلة تغلب كانت قوة مفزعة في العراق، قويّة الشكيمة، يرهبها أعداؤها حتى قيل: "لو أبطأ الإسلام قليلاً لأكلتْ بنو تغلبَ النّاس".

لكن أن تكون الدّنيا كلّها، بما فيها امبراطوريتا فارس والروم، مِلكاً لبني تغلبَ، إحدى القبائل فأمر فيه نظر.

ولعلّ السبب في ذلك نفسيّ، إذ يرفض العربيّ أن يكون فردياً، "فهو يرفض أن يتحدث عن نفسه كفرد متميّز، ولكنّه يوحّد فَرْدَه بالذات الإنسانية الكليّة، كما يتصوّرها نموذجياً، فتعامل العربيّ فكرياً مع النموذج والمثُل، وهي التي تجعله، عندما يصبح شاعراً، يعبّر عن الفارس من خلال طراز واحد من السلوك والصّفات، وعن المرأة من خلال طراز واحد كذلك من الجمال والأخلاق والتّصرفات، وهو الطّراز المقيّم على أنه النموذج الأعلى".
فالجاهليّ لم يكن يصوّر ما يرى، بل كان يصوّر الجمال المطلق والمثل الأعلى.


0 تعليقات:

إرسال تعليق