صيغ مدخل القصيدة الجاهلية.. النموذج الفنّي لم يخضع لالتزام مطلق بتقاليد لوحة الرحلة التي حددنا أبعادها التراثية الكاملة



لقد تحدّدت صيغ مدخل القصيدة الجاهلية الموروثة عبر ثلاث مراحل متلازمة:

الأولى- الافتتاح الذي يعالج فنون الطلل، والظعن، والنسيب، والخمر، والشيب والشكوى، وما إلى ذلك من صور، ظلّت البيئة الجاهلية تغذيها وتمدها بالتفاصيل المتجددة، وظل الشاعر يتخذها منفذاً تعبيريا لحديث النفس في تأملها للماضي وأحلامه الضائعة.

الثانية- الرّحلة: 
وقد تختلف وجهات نظر المحدثين بعد ذلك في طبيعة الدّوافع النفسية والفنية لانتقال الشاعر من حديث الطلل والمرأة إلى حديث الرّحلة التي تشخص الناقة فيها عنصراً مشاركاً للشاعر في خوض رحلة أسطورية تحفّها المخاطر، ويكتنفها المجهول.

والناقة هي وسيلة الشاعر وأداته التي يستعين بها على بلوغ الهدف من موقف الصراع، ولهذا فإنه يفرغ لوصفها، الذي يستمدّ عمقه من تحفّزه الذاتي، واستعداده الفني لمتابعة تفاصيل مظهرها الذي طال تأمله له، وامتزجت له في نفسه عوامل الألفة والإعجاب والمنفعة".

ولقد ظلّ الشاعر الجاهلي يتابع هذه التفاصيل التقليدية، ويحاول أن يضيف إليها جديداً. وليس معنى الجديد هنا أن الناقة كانت تكتسب أوضاعاً مادية جديدة، وإنما كان استشراف الشاعر هو الذي يقرر الأبعاد المتجددة لتفاصيل مظهر وسيلته الخاصة في صراعه مع واقعه اليومي.

أما انتهاء تفاصيل مشهد الناقة إلى تشبيهها بثور الوحش، أو حمار الوحش، أو الظليم، فانه قد يستقطب قناعة ساذجة برغبة الشاعر في تشخيص سرعة ناقته فحسب، بيد أن الأمر يظلّ أعمق من هذا التصوّر في الاستيعاب والتعبير.

فقصص الوحش تمثل من الناحية الفنية آثاراً لجهد واعٍ، ومتابعة متأنية بتحوّل مجرى التشبيه خلالهما إلى عناية خالصة بالمشبه، حتى يخيّل إليك أن التشبيه مجرد جسر للصورة التي يفرغ الشاعر لمتابعتها في هذه القصص المنتشرة في الدواوين الجاهلية بشكل لافت للنظر.

ويبرز مشهد الحمار تعبيراً عن صور صراع متميزة تتخذ مجراها عبر أداء فنيّ للتفاصيل التقليدية، فتبدو الخضرة الربيعية والمياه التي يردها الحمار وأتانه (أو أتنه) أول المشهد تشخيصاً حيّا لمرحلة ما قبل الصراع التي تتمثل في حياة الشاعر نفسه استقراراً وسكناً إلى مجرى حياته مع الذين تربطه بهم وشائج وجوده الاجتماعي.

ولكن الموارد لا تلبث أن تجفّ، وتغدو الخضرة هشيماً وعندئذ يواجه الحمار تحدي البحث عن مورد جديد، وتقف الأتن منتظرة، حتى ينجلي الموقف عن تذكره عيْناً نائية يصبح الرّحيل إليها رمزاً للبحث عن الاطمئنان المفقود.

وتتدفق مشاهد الرحيل لتمثل صراع الحمار مع أتنه النافرة، وهو يزجيها إلى هدفه، حتى إذا لاح له الماء أقبل ملهوفاً ليلقي أكارعه فيه، بعد أن تحقق الحلم بالوصول، ولكنه ما يكاد يطمئن إلى موضعه حتى ينبري له القدر في هيأة صيّاد جائع يرسل سهماً ينذره بخطر الموت.

وهنا يفزع هو وأتنه إلى نجاء مجدّ لا هوادة فيه، ويكون الشاعر عند ذلك قد استوفى صور تجدّد صراع الإنسان الذي لا ينتهي إلى غاية، حتى يرغمه القدر على رحيل جديد.

أما مشهد الثور فانه يقدم صيغة فنية قد توافق صيغة الحمار من حيث قدرتها على تصوير مراحل الصراع المتجدد، ولكنها تخالفها في طبيعة التفاصيل المؤدية إلى منح المشهد مناخاً نفسياً متميزاً.

فالثور يواجه صراعه منفرداً لا يقف إلى جانبه من يلوذ به، أو يحتاج إلى حمايته، وبذلك يتجه المشهد إلى منح الشاعر فرصة الايحاء بمواقف الصراع ذات الطابع الفردي.

ويتمثل مشهد الصراع الأول في مواجهة الثور لأهوال ليلة يشتد فيها المطر والريح وهي بداية مباينة لما يقدمه مشهد الحمار الذي تمثلت مأساته في نضوب الماء، ولهذا فإن المشهد يتجه إلى صورة ثور، وهو يجاهد ليحتفر لنفسه مبيتاً إلى حقف أرطاة تقيه أهوال العاصفة والمطر، ولكنه ما يكاد يطمئن إلى سكنه حتى يصبّحه الفجر بنذير الموت متمثلاً في أصوات كلاب صيد مقبلة، وعندئذ يفزع إلى قوائمه يستمد منها العزم على الهرب، ولكن الكلاب تتكاثر عليه، وتنهش لحمه، فيضطر إلى أن يكرّ عليها مستخدماً قرنيه في معركة فرضها قدره عليه، وهيّأ له فيها وسائل النصر، فيصرع هذا ويجرح ذاك، وتراجع الكلاب السليمة أنفسها، وترى أن اليأس أولى بها، وترجع إلى مولاها دون غنيمة.

أما الثور فانه يوليّ هارباً نحو المجهول، مخلفاً وراءه عموداً من النقع.
والشاعر الجاهلي عامة، خلال ذلك كلّه يطرح صورة الصراع الإنساني المتميز بالدور الفردي، ويأبى الاّ أن يكون ثوره منتصراً -وقد يكون الهالك في شعر الهذليين- ليكون في هذا الانتصار انتصارٌ لفردية الشاعر على أعدائه بمنأى عن القبيلة، مخفّفاً بهذا من قيود الالتزام القبلي.

وقد ينفتح الشاعر في لوحة الرّحلة على تشبيه استطرادي، فيشبه ناقته بظليم، ينقف الحنظل والخطبان في مرعى ناءٍ خصيب، وفجأة يتذكر بيضه بعد أن هيّجه يوم ملبّد بالغيوم، فيسرع بالعودة إلى بيته، ويتزيد في سرعته ليدرك أدحيّه قبل أن يُفسد المطر والبرد بيضه.

وينجح في الوصول إلى بيته قبل أن يتم اختفاء قرص الشمس في غروبها وراء الأفق، ثم يطوف بالبيت مرتين يتفرس في الأرض المحيطة به، ليرى هل بها أثر لدخيل اقتحم بيته في غيابه.

فإذا ما اطمأن إلى أن لا خطر يختبئ له في بيته دخله مشتاقاً متلهفاً وتهالك على بيضاته المركومة، وآوى إليه أفراخه الصغار الضعاف، وأخذ يناجي زوجته السعيدة بعودته، وتناجيه في انفعال شديد.

تلك هي حدود أطر لوحة الرحلة التقليدية، وهي حدود ظلت تتيح للشاعر فرص انتقاء تستمد اتجاهها من طبيعة تركيبه النفسي وقدرته الفنية، ومدى عمق وجوه الصراع الفردي والاجتماعي الذي يخوضه، على أن طبيعة المناخ الموضوعي للتجربة الآتية التي يتجه الشاعر إلى معالجة آثارها في لوحة الغرض قد تتحكم في الانتقاء وفي تناول التفاصيل، حتى أن النهاية التقليدية المرسومة لنجاة الحيوان من قبضة الصياد تتخذ اتجاهاً نقيضاً في قصيدة الرثاء التي ينتهي المشهد فيها بسقوط الحيوان تمهيداً لمعالجة مشكلة الموت، التي تمثّل نهاية الصراع الإنساني.

ويشير الاستقراء إلى أن النموذج الفنّي لم يخضع لالتزام مطلق بتقاليد لوحة الرحلة التي حددنا أبعادها التراثية الكاملة، فقد رأينا أن ثمة نماذج يتخلى أصحابها فيها عن لوحة الرحلة كلّها، ويكتفون بلوحات الافتتاح على الغرض بشكل مباشر يوحي بظرف قول لا يُعنى معه الشاعر بتشخيص صور الصراع الإنساني بدافع من عوامل نفسية أو فنية تتعلق بحالة الشاعر، أو الغرض الرئيس. فضلاً عن احتمال ضياع بعض اللوحات.


0 تعليقات:

إرسال تعليق