الساميون الأوائل.. التحالف القبائلي (العموري) القادم من بادية الشام والذي أسس ما سمي بالسلالة البابلية. السلالة الآشورية في شمال العراق. الجماعات الفينيقية في الساحل



تتفق جميع المصادر على أن أقدم وجود توثيقي عثر عليه حتى الآن للناطقين بالسامية، هو في الهلال الخصيب.

وطيلة التاريخ القديم للعراق والشام، في كل حقبة تظهر مجموعة سامية جديدة تسيطر على الواجهة السياسية والحضارية خلال حقبة كاملة قد تدوم ألف عام أو أكثر.

إن من الاخطاء الكبرى التي ورثها المؤرخون والمنقبون الذين كتبوا تاريخنا، انهم تبنوا (الرؤية التوراتية) التي تتحدث عن (شعوب: أكدية وآشورية عمورية وكلدانية، وكنعانية وفينقية وآرامية.. الخ.. )، بينما في الحقيقة هم جماعات أو تحالفات قبائلية أو سلالات، تنتمي لنفس الاصل الاقوامي واللغوي والحضاري السامي.

ولو أخذنا مثال من الحقبة العربية الاسلامية، هل يصح الحديث عن الشعوب: الراشدية والاموية والعباسية والعلوية والفاطمية؟! فهي مجرد تحالفات قبائلية أو سياسية أو مذهبية تسيطر على الاوضاع في حقبة معينة، وهي تنتمي الى ذات الاصل الاقوامي والحضاري واللغوي العربي الإسلامي.

إن الموجة السامية الاولى هي (الاكدية ـ الكنعانية). نحن نفضل الحديث عن (ظهور) وليس (قدوم أو نزوح)، لأن المقصود بأن في هذه الحقبة بدأوا يظهرون في النشاط السياسي والحضاري، رغم انهم موجودين منذ القدم. في العراق بسط الاكديون نفوذهم السياسي نحو (2350ق.م) بقيادة زعيمهم (سرجون الأكدي) الذي شكل أول امبراطورية وحدت المشرق كله.

حتى وقت قريب لم يكن أحد يظن ان هنالك في سوريا حضارة واضحة قبل الالف الثاني ق.م. وهي حضارة (أوغاريت).

لكن اكتشاف مدينة (ايبلا) قرب حلب، عام 1975 قد بين ان الوجود السامي الحضاري في سوريا يضاهي مثيله في العراق. تعد لغة إيبلا أقدم لغة وصلت إلينا مكتوبة (بالخط المسماري العراقي)، حتى الآن، ولم يكن أحد يتوقع العثور على شواهد مسطرة منها، وتتماثل هذه اللغة مع اللغة التي جرت العادة على تسميتها بالكنعانية، فضلاً عن هذا انها تشبه العربية في بعض النواحي، فمثلاً نجد فيها كلمات مثل (كتب) و(ملك) و(يد).

علماً، بأن داخل هذه الموجة المتفرعة الى أكدية وكنعانية، ثمة موجات وتفرعات داخلية عديدة، لكن ظلت مجتمعة مع الاكدية والكنعانية في الوحدة اللغوية والحضارية.

ففي الجانب الاكدي العراقي، ظهرت موجة التحالف القبائلي (العموري) القادمة من بادية الشام، والذين أسسوا ما سمي بالسلالة البابلية الاولى. كذلك ظهرت السلالة الآشورية في شمال العراق.

لكن كل هذه الجماعات المختلفة بقيت محتفظة بنفس اللغة (الاكدية) والحضارة والدين. كذلك بالنسبة للشام، فبالاضافة الى ايبلا ثم اوغاريت، ثم الجماعات الفينيقية في الساحل، وربما بعض الجماعات الاولى من العبرانيين (الغابيرو) الذين جاورا من سبقهم من الكنعانيين في فلسطين.

لكن كل هذه الجماعات المختلفة بقيت محتفظة باللغة الكنعانية مع اختلاف اللهجات والوحدة الحضارية.