أصل الشعوب السامية.. بطلان نظرية الأصل الجزيري للساميين. في العراق والشام أسس الساميون أولى الحضارات في تاريخ البشرية بجانب الحضارة المصرية



قبل التطرق لموضوع (أصل العرب)، لنعرف (أصل الساميين) الذين يعتبر(العرب) جزءاً منهم.

ان المتمعن جيداً بما كتبه الباحثون المتخصصون في هذا الموضوع يكتشف ان هنالك عدة فرضيات عن أصل الساميين من ضمنها واحدة فقط تقول بأن أصلهم يعود الى (الجزيرة العربية).

فبعضهم يزعم أن المهد الأصلي للساميين انما هو أرض أرمينية (القفقاس) وبعضهم يقول أن هذه المنطقة هي المهد الأصلي للأمم السامية والأمم الآرية جميعاً ثم تفرعت منها جموع البشر في أرض الله الواسعة.

وللتوراة نظرية خاصة عن أقدم ناحية عمرها بنو نوح وهي أرض بابل وقد تكون هذه النظرية أقرب الى الحقيقة فقد أثبتت البحوث التاريخية أن أرض بابل هي المهد الأصلي للحضارة السامية.

وقد أيد العالم (جويدي) هذه النظرية في رسالة يقول فيها إن المهد الأصلي للأمم السامية كان في نواحي جنوب العراق على نهر الفرات وقد سرد عدداً من الكلمات المألوفة في جميع اللغات السامية من العمران والحيوان والنبات وقال أن أول من استعملها هم أهل تلك المنطقة ثم أخذها عنهم جميع الساميين.

أما الباحث السوري القدير (فراس السواح) فأنه يعتبر نظرية (الأصل الجزيري للساميين) قد (غدت بالية وبحاجة الى اعادة نظر، وان أكثر المدافعين عنها بدأ يتخلى عنها) منذ المكتشفات الأثرية الكبرى التي حدثت في أواسط القرن العشرين.

كذلك الباحث الفرنسي (جورج رو) يقول: (ان هذه النظرية أصبحت ملغية بالنسبة لجميع المختصين)، بسبب الغاء تلك الفكرة السابقة بأن الجزيرة العربية كانت خضراء مقطونة بالناس قبل أن تتصحر ويهاجر سكانها الى الشمال، حيث دلت أبحاث السنوات الاخيرة بأنها كانت منذ القدم متصحرة، وان الاماكن الوحيدة التي ظلت قابلة لسكن البشر هي المحاذية للبحار، سواحل الخليج والبحر الاحمر واليمن.

وان عدم استخدام الجمل حتى عام 1200 ق.م كان يجعل التنقل لفترات طويلة عبر الصحاري القاحلة أمراً مستحيلاً.

لهذا فأنه من المعقول جداً أن يكون الساميين هم أبناء الهلال الخصيب الاصليين، حيث في هذه المنطقة دلَّت جميع آثارهم ودلائل تواجدهم منذ فجر التاريخ.

ان الهلال الخصيب ظل مأهولا بالبشر منذ عشرات الآلاف من الاعوام، وفيه نشأت أولى المستوطنات الزراعية منذ الالف التاسع ق.م وظهرت معالم الحضارة في الالف السادس ق.م في حسونة وسامراء وحلف والعبيد واوروك وجمدة نصر.

بالحقيقة اننا لسنا بحاجة للبحث عن أصول خارج منطقة الهلال الخصيب لهذه الشعوب السامية، للسببين التاليين:

إن اول ظهور في التاريخ لهذه الشعوب ولغتها وحضارتها، حدث في منطقة المشرق. في العراق والشام أسس الساميون أولى الحضارات في تاريخ البشرية (بجانب الحضارة المصرية) في الالف الثالث قبل الميلاد.

بالنسبة لسوريا فأن (ايبلا) أول حضارة فيها وكانت منذ البدء ناطقة بالسامية. بنفس الحقبة ظهرت أول حضارة عراقية، رغم انها كانت ناطقة بالسومرية إلاّ أن الآثار والمصادر تدل على ان الساميين الاكديين كانوا منذ البدء من المشاركين بها أيضاً.

بل هنالك فرضية بأن السومريين والساميين كانوا من نفس العنصر، حيث دلت البحوث الاخيرة على تشابه تام بينهم في الشكل والدين والحضارة.وان زيادة السكان المفاجئة في هذه الحقبة في الجنوب العراقي كشفت عن وصول هجرات من الشمال العراقي السوري، وربما أيضاً من الاحواز.

في جميع المصادر والآثار التي خلفها هؤلاء الساميين لم يتم العثور على أية اشارة أو دليل على قدومهم من الجزيرة العربية، ولا حتى من أية منطقة أخرى في العالم.

أما بالنسبة لتوصل العلماء الى وجود علاقة بين (اللغة السامية) و(اللغة الحامية) في مصر الفرعونية وبربر شمال أفريقيا، بحيث أطلق عليها تسمية (عائلة اللغات السامية ـ الحامية)، فان هذا ناتج عن علاقات عرقية قديمة، بسبب نزوح قبائل بربرية من شمال أفريقيا الى مصر ثم الى الهلال الخصيب، بعد الجفاف الكبير الذي حدث هناك في الالف السادس والخامس ق. م. هذا لا يعني أبداً بأن الساميين قد نزحوا من شمال أفريقيا، بل يعني بأن مهاجرين من شمال أفريقيا قد اختلطوا بهم، بالاضافة الى هجرات عديدة بين المشرق والمغرب طيلة آلاف الاعوام، سواء عن طريق البوادي المتصلة أو عن طريق السواحل، (مثال هجرات الفينيقيين الى شمال أفريقيا)، أدت الى تمازجات عرقية وثقافية ولغوية.

لهذا يمكننا الغاء تلك العبارة المكررة التي نقرأها عن (نزوح الساميين الى العراق والشام)، فهم أبناء الهلال الخصيب ولم ينزحوا لا من الجزيرة العربية ولا من أي مكان آخر. لكن هذه المنطقة بسبب موقعها الوسطي بين اوربا وآسيا وافريقيا، استقبلت عبر التاريخ الكثير من الهجرات السلمية والحربية، من هذه القارات المحيطة، غالبيتهم ذابوا وأصبحوا جزءاً من الناطقين بالسامية، وبعضهم القليل حافظ على تمايزه الاقوامي حتى الآن، مثل التركمان والاكراد والارمن والشركس والافارقة..