ظهور الموجة الآرامية.. انطلاق موجة النزوح من البادية بسبب حالة الجفاف وبداية التكوين العرقي واللغوي لسكان النهرين في القرون الاخيرة قبل نهاية بابل



 إن سكان البادية الغربية يقطنون فيها منذ فجر التاريخ، وهم شبه رعاة، وعلى علاقة مستمرة بأهل الحضر والمزارعين. حتى نهاية الالف الثاني السابق للميلاد ظلت تنقلاتهم وقدراتهم الحربية محدودة بسبب عدم وجود الجمال حينذاك، بل كانوا يستخدمون الحمير. كانوا يضخون العراق والشام بهجرات بين حين وآخر، لكنها ظلت محدودة ومنفصلة بفترات زمنية بعيدة. ان أول الهجرات المعروفة من هذه البادية الغربية الى العراق هي هجرة (الاموريين ـ 2200 ق.م) وهي تسمية سومرية تعني (الغربيين) أي القادمين من البادية الغربية.

ويبدو أن تسمية (مدينة ماري) في أعالي الفرات مشتقة أيضاً من معنى (الغرب)، وتسمية (مارـ تو) تعني (منطقة الغرب). وربما كان العبرانيين (الخابيرو) من ضمن هذه الموجة العمورية التي اتجهت ناحية فلسطين. تقول قصيدة باللغة السومرية من تلك الحقبة بوصف هؤلاء البدو:
(الاموري، السلاح رفيقه / لا يعرف الخضوع / يأكل لحماً غير مطبوخ / وفي حياته لا يملك بيتاً / ولا يدفن رفيقه اذا مات / لكنه الآن يملك بيتاً، ويملك حبوباً..).

في أواخر الالف الثاني أي بعد انتشار استعمال الجمل كأعظم واسطة نقل في الصحراء ذلك الحين، بدأت الهجرات تتكثف وتصبح أكثر قوة وجرأة على اقتحام المناطق الحضرية والمدن.
وكان من أول وأكبر هذه الهجرات الكبرى هي القبائل ألارامية التي تفرعت منها القبائل العربية.

ان ظهور الاراميين في أواسط الالف الثانية ق.م يعتبر من أخطر الموجات السامية التي نقلت الهلال الخصيب بل أيضاً الجزيرة العربية الى مرحلة تاريخية جديدة تماماً. يبدو ان انطلاق موجة النزوح من البادية يعود الى حالة الجفاف التي عمت المنطقة بين 1600 و1200 ق.م، فأخذت المناطق الهامشية في سوريا وفلسطين تخسر سكانها، وحدثت تنقلات وهجرات نحو البوادي بحثاً عن مناطق افضل، وبعضها انحدرت نحو الجزيرة العربية.

ويكمن سر قوة هذه الموجة الآرامية انها امتلكت أعظم مكتشفين حضاريين في تلك الحقبة: الجمل والابجدية!! الجمل ساعدهم على التنقل والسيطرة العسكرية، والكتابة الابجدية ساعدتهم على السيطرة اللغوية والثقافية.

ان استخدام الجمل بدلاً من الحمير كوسيلة للتنقل مكنت هذه القبائل السامية التي كانت مكتفية بحياتها في بادية الشام، ان تتجرأ وتنتشر في مختلف الاتجاهات، نحو ضواحي ومدن العراق والشام، ولكن أيضاً وهذه هي الثورة الجديدة: انها تجرأت لأول مرة في التاريخ أن تقتحم صحارى الجزيرة العربية وتتوغل خصوصاً جنوباً نحو الحجاز حتى اليمن.(سوف نفصل هذا بعد قليل).

لقد اثر هذا التحالف القبائلي الجديد كثيراً في التكوين العرقي واللغوي لسكان النهرين في القرون الاخيرة قبل نهاية بابل في القرن السادس ق.م، أي في السلالة ألآشورية ثم الكلدانية. كذلك نجح الآراميون بتأسيس بعض الامارات والدويلات في سوريا، ومنها (دولة آرام دمشق) الشهيرة في القرن التاسع ق.م . كذلك بعض الدويلات العبرانية في فلسطين، مثل (يهودا واسرائيل).

أما بالنسبة للابجدية، فقد استفاد الآراميون من (الابجدية الكنعانية) المكتشفة حديثاً، لكي يدونوا (لهجتهم) ولتصبح مع الزمن وبفضل الابجدية لغة خاصة متميزة تنتشر في أنحاء العراق والشام، وتهضم اللغتين الاكدية في العراق والكنعانية (من ضمنها العبرية) في بلدان الشام، اللَّتان فقدتا حظوتهما بسبب اعتمادهما على الكتابة المسمارية التي أصبحت متخلفة بعد شيوع الابجدية.

ثم ارتفع أكثر شأن ألآرامية بعد انتشار المسيحية، حيث ان لغة المسيح كانت هي الآرامية، وهي أيضا لغة الانجيل والكنائس والطقوس، وقد اتخذت تسمية جديدة هي (السريانية).

إن قبائل هذه الموجة حملت تسمية (آراميين)، ربما تعني (سكان المرتفعات) حيث كلمة (آرم، ورم، مرتفع)، ولكن هنالك من يربط بين تسمية (ارم، وارب أي عرب)، أي سكان عربايا (البادية الغربية). ان هذا الابدال بين حرفي (م) و(ب) وارد في العربية، فقد ورد اسم (مكة) بلفظ (بكة) في قوله تعالى في سورة {آل عمران/96}: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}.

كذلك هنالك أمثلة عديدة، منها ان كلمة (زمان) العربية هي نفسها (زبانو) السريانية.
أما تحول حرف (ع) الى (همزة)، فيكفي أن ننظر الى انه ليست صدفة انه تكتب الهمزة مثل حرف (عـ) الصغيرة، لأنهما نفس الاصل، وان الاكديين العراقيين كثيراً ما كانوا يستصعبون لفظ حرف (ع) ويحولوه الى همزة. وفي جنوب العراق يفعلون العكس، حيث يقولون (سوعال) بدلاً من (سؤال).

لننظر الى اللغة الآرامية (السريانية) كيف تستخدم كلمة (عرب) ومشتقاتها: (عروبو= غروب) و(عروبتو= يوم الجمعة) أي نفس التسمية التي كان يستخدمها العرب قبل الاسلام، وتعني (اليوم النهائي) من الاسبوع. و(عرابو=  العراب) أي الغريب من خارج العائلة الذي يكفل الطفل. و(عروبيو = الاعراب أي النحو) وتعني (غريب اللغة) (راجع أي قاموس سرياني عربي).

ويمكن ان نذكر عبارة (اعرب عن مشاعره، وعبّر عن مشاعره)، بمعنى اخرج مشاعره، وهن كلمتان تذكران بـ (عرب وعبريون). وكلها معاني غربة وابتعاد، لوصف البدو الرحل المتنقلين.