التيار التعليمي الخالص في الرواية العربية الحديثة.. محاولة المثقفين المسلمين التوفيق بين حضارتنا الشرقية القديمة والحضارة الغربية



التيار التعليمي الخالص في الرواية العربية الحديثة في القرن العشرين:
لم يقدم لنا القرن التاسع عشر في ميدان الرواية التعليمية الخالصة من الأعمال البارزة إلا أعمال رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك.

وقد امتد تيار الرواية التعليمية إلى أوائل القرن العشرين وظل ممثلو هذا التيار وهم من المثقفين المسلمين يحاولون التوفيق بين حضارتنا الشرقية القديمة والحضارة الغربية.

وفي حديث (عيسى بن هشام) للمويلحي و(ليالي سطيح) للشاعر حافظ إبراهيم يظهر التأثر بالرواية التعليمية في القرن التاسع عشر من ناحية, وبالتطورات التي ظهرت في القرن العشرين من ناحية أخرى.

ومن عنوان كتاب المويلحي حديث (عيسى بن هشام) تظهر صلته بالتراث العربي القديم وبزعماء الإصلاح الاجتماعي والديني واللغوي الذين كانوا يهدفون في إصلاحهم إلى إحياء هذا التراث، فهو لا يسمي كتابه قصة أو رواية وإنما يسميه حديث عيسى بن هشام، وعنوانه هذا يذكرنا بالمقامة من ناحيتين: الأولى تتمثل في طبيعة المقامة من حيث تصويرها (لأحاديث تلقى في جماعة) والثانية أنه اختار أن يكون الحديث لعيسى بن هشام وهو بطل مقامات بديع الزمان الهمذاني.

ويتفق كتاب حديث عيسى بن هشام مع آثار رفاعة الطهطاوي وعلى مبارك في انه كُتب على شكل رحلة,ويختلف بعد ذلك معها في الهدف من هذه الرحلة وفي مجالها.

فقد كانت رحلة على مبارك ورفاعة تهدف إلى تعليم العلوم الغربية ولذلك اتخذت مجالها في الخارج.
أما رحلة المويلحي فكان  هدفها إصلاح المجتمع  ولذلك اتخذت مجالها في الداخل، وارتبطت ارتباطا اكبر بالمجتمع الذي تدور فيه، وهي في ارتباطها بمجتمعنا تكاد تتفق مع المقامة التي كانت تعني أحيانا بوصف الكثير من وجوه الحياة  الاجتماعية في عصرها، ولكنها تختلف مع المقامة أيضا في الهدف ففي الوقت الذي كانت المقامة فيه تهدف أولا إلي تعليم اللغة العربية,وتقدم صورها الاجتماعية كعامل مساعد، كان المويلحي يهدف إلي النقد الاجتماعي أولا ويأتي الهدف اللغوي في المرتبة الثانية.

أول مظهر من مظاهر تطور الرواية التعليمية هو ارتباط حديث (عيسى بن هشام) بواقع المجتمع الذي يعيش فيه المويلحي وهذا الارتباط بالواقع يمثل ظاهرة أساسية تتميز بها الرواية الفنية وهذا الربط نتيجة طبيعية لرغبته في الإصلاح الاجتماعي.

ويتفق كتاب (ليالي سطيح) للشاعر حافظ إبراهيم في هدفه مع كتاب المويلحي، فقد قصد المؤلفان في كتابيهما إلى نقد المجتمع وإصلاحه، وكان كلاهما يدين بالولاء في فكرته الإصلاحية إلى المفكرين الذين يؤمنون ببعث التراث العربي الإسلامي القديم، وعدم الوقوف في الوقت نفسه موقف الجمود والانغلاق من بعض مظاهر الحضارة الغربية التي قد تكون صالحة لمجتمعهم.

وإذا كان المويلحي قد عبر بصورة مباشرة عن ولائه لهؤلاء المفكرين وعلى رأسهم جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده بإهدائه الكتاب إليهما، فإن حافظ إبراهيم يعبر في كتابه عن إعجابه الشديد بهمه وبآرائهما.

وكما اتفق حافظ إبراهيم مع المويلحي وتأثر به في اتجاهه إلي النقد الاجتماعي فقد تأثر به أيضا واتفق معه في تأثره بالمقامة.

وكتاب (ليالي سطيح) يتفق مع (حديث عيسى بن هشام) من حيث الشكل الخارجي، لأن كلا منهما يصور رحلة داخل المجتمع لكي يتمكن المؤلف خلالها من انتقاد أوضاعه, ولكنهما يختلفان بعد ذلك.

 وقد كتب فرح أنطون في هذه الفترة رواية "الدين والعلم والمال" أو "المدن الثلاث".