الرواية الفنية.. التغير الثوري في البناء الاجتماعي وفي الطابع الفكري للمجتمع أدى إلى تغير مشابه جذري في الفن الروائي



إن العامل الرئيسي في ظهور الرواية الفنية هو تغير صورة البناء الاجتماعي في أوروبا، وما صحب ذلك من تغير في الفكر انعكس على الأدب والفن وتفاعل معهما.

فقد كان النظام الإقطاعي يمثل الظاهرة المسيطرة على المجتمع الأوروبي قبل عصر النهضة، وكانت الملكية المستبدة تمثل أعلى المراحل التي وصل إليها هذا النظام.

ولما كان النشاط البشري الرئيسي في المجتمع الإقطاعي يتمثل في الزراعة، فإن الوحدات الاجتماعية، كانت تتكون من المقاطعات والضياع الواسعة.

وكانت الطبقة الحاكمة هي التي يتوفر لديها الفراغ والتعليم، ولما كان هدفهم ينحصر أولا وقبل كل شيء في الاحتفاظ بأرضهم  وتوريثها لأولادهم بعد وفاتهم, فقد كان من صالحهم تجميد الأوضاع الاجتماعية وتثبيتها.

وكان من الطبيعي ألا يهتموا بالتجربة العلمية أو انتشار التعليم، ولذا يمكن تلخيص الطابع الفكري الذي يسود هذا المتجمع في الجمود الاجتماعي والتفكير المتحفظ ومن مميزات هذا التفكير اللجوء إلى المثالية والمطلق والعام والمجرد.

ثم أخذت الطبقة الوسطى في الظهور والانتشار والسيطرة وبسط نفوذها علي مراكز القوة في المجتمع، وكانت تتكون من التجار والمغامرين الذين ينظرون إلى الأمور نظرة واقعية تؤمن بالمكسب والخسارة، وتفكر في تغيير القيم التي عاش في ظلها النظام الإقطاعي، فأصبح التفكير حراً بعد أن كان تقليدياً، واقعياً بعد أن كان مثاليا، ويعتمد على التجربة الجزئية بعد أن كان يعتمد على التعميم والإطلاق.

ونتيجة لحدوث هذا التغير الثوري في البناء الاجتماعي وفي الطابع الفكري للمجتمع حدث تغير مشابه جذري في الفن الروائي يشمل طبيعة الجمهور المتلقي لهذا الفن ووظيفته ومجاله، وهي تغيرات اقتضت بدورها تغير الشكل الفني في بناء العقدة ورسم الشخصيات، بل إن هذه التغيرات امتدت إلي طبيعة اللغة التي يعبر بها الكاتب.