قضية انتحال الشعر الجاهلي عند الباحثين المحدثين من المستشرقين والعرب.. النقوش المكتشفة للممالك الجاهلية المتحضرة لا تدل على وجود نشاط شعري فيها



لفتت قضية انتحال الشعر الجاهلي، أنظارَ الباحثين المحدثين من المستشرقين والعرب، وبدأ النظر فيها تيودور نولدكه وتلاه آلورد، ولكن الذي أثار الضجة في هذه القضية، وسلك فيها طريقا غير قويم، المستشرق الإنجليزي د. س. مرجوليوث، إذ كتب مقالا مفصلا نشره في مجلة الجمعية الملكية الآسيوية، سنة 1925م، جعل عنوانه "أصول الشعر العربي".

ونراه يستهله بموقف القرآن الكريم من الشعر متحدثا عن بدء ظهوره ونشأته وآراء القدماء في ذلك، ثم ينتقل إلى الحديث عن حفظه، وينفي أن تكون الرواية الشفوية هي التي حفظته.. وانتهى إلى القول: لم تكن هناك وسيلة لحفظه سوى الكتابة، ثم يعود فينفي كتابته في الجاهلية، ليؤكد أنه نظم في مرحلة زمنية تالية للقرآن الكريم، ويقف بازاء الرواة المتهمين أمثال حماد وخلف الأحمر، ليزعم أن الوضع في هذا الشعر كان مستمرا.

ويقول: إنه لا يمثل الجاهليين الوثنيين، ولا مَنْ تنصروا منهم، فأصحابه مسلمون، لا يعرفون التثليث المسيحي، ولا الآلهة المتعددة، وإنما يعرفون التوحيد والقصص القرآني وما في الإسلام من مثل الحساب ويوم القيامة وبعض صفات الله.

وينتقل إلى اللغة فيلاحظ أنها لغة ذات وحدة ظاهرة. وهي نفس لغة القرآن الكريم التي أشاعها في العرب. ويقول: ولو أن هذا الشعر صحيح لمثل لنا لهجات القبائل المتعددة في الجاهلية، كما مثل لنا الاختلاف بين لغة القبائل الشمالية العدنانية واللغة الحميرية في الجنوب.

وزعم أن النقوش المكتشفة للممالك الجاهلية المتحضرة، وخاصة اليمنية، لا تدل على وجود نشاط شعري فيها، فكيف أتيح لبدو غير متحضرين أن ينظموا هذا الشعر، بينما لم ينظمه مَنْ تحضروا من أهل هذه الممالك؟.

وقد تعرض له جماعة من المستشرقين نقضوا آراءه، وأبطلوا مزاعمه، منهم المستشرق شارلس جيمس ليال، وجورجيو ليفي دلافيدا".
أما العرب المعاصرون فقد كان مصطفى صادق الرافعي في كتابه "تاريخ آداب العرب" أول من شق طريق البحث في هذا الموضوع، لكنه لا يتجاوز في عرضه سرد ما لاحظه القدماء.

فلما أصبحت القضية بين يدي طه حسين، وضعها في حلّة قشيبة من أسلوبه الجميل ،في كتاب ألفه عام 1926، أي بعد عامين من قيام المستشرق مرجوليوث من نشر مقالته المذكورة.