الحياة الاقتصادية في الشعر الجاهلي عند طه حسين.. الاقتصار على شعر الأغنياء في مطولاتهم وإهمال نصوص الشعراء المغمورون من البدو العاديين



في تصوير الحالة الاقتصادية بين العرب في الجاهلية يقارن طه حسين بين القرآن الكريم والأدب الجاهلي فيقول: "وأنت إذا قرأت القرآن رأيت أنه يقسم العرب إلى فريقين آخرين: فريق الأغنياء المستأثرين بالثروة، المسرفين في الربا، وفريق الفقراء المعدمين، أو الذين ليس لهم من الثروة ما يمكنهم أن يقاوموا هؤلاء المرابين، أو يستغنوا عنهم، وقد وقف الإسلام في صراحة وحزم وقوة إلى جانب هؤلاء الفقراء المستضعفين، وناضل عنهم، وذاد خصومهم والمسرفين في ظلمهم..

أفتظن أن القرآن كان يعنى هذه العناية كلها بتحريم الربا والحث على الصدقة، وفرض الزكاة، لو لم تكن حياة العرب الاقتصادية الداخلية من الفساد والاضطراب بحيث تدعو إلى ذلك؟ فالتمس لي هذا أو شيئا كهذا في الأدب الجاهلي، وحدثني أين تجد في هذا الأدب شعره ونثره ما يصور لك نضالا ما بين الأغنياء والفقراء. ومع ذلك، فما هذا الأدب الذي لا يمثل فقر الفقير  وما يحمل صاحبه من ضرّ، وما يعرضه له من أذى؟.

ثم يتحدث عن ناحية أخرى فيقول: "كنا ننتظر أن يمثلها الشعر لأنها خليقة به، وتكاد تكون موقوفة عليه، نريد هذه الناحية النفسية الخالصة، هذه الناحية التي تظهر لنا الصلة بين العربي والمال..

فالشعر الجاهلي يمثل لنا العرب أجوادا كراما مهينين للأموال مسرفين في ازدرائها، ولكن في القرآن إلحاحا في ذم البخل وإلحاحا في ذم الطمع، فقد كان البخل والطمع إذن من آفات الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الجاهلية..

فالعرب في الجاهلية لم يكونوا كما يمثلهم هذا الشعر أجوادا متلفين للمال مهينين لكرامته، وإنما كان منهم الجواد والبخيل، وكان منهم المتلاف والحريص، وكان منهم من يزدري المال، ومنهم من يزدري الفضيلة والعاطفة في سبيل جمعه وتحصيله".

والشعر الجاهلي ينسف ما ذهب إليه طه حسين نسفا، إذ أخطأ الأستاذ الكبير الدلالة الصحيحة للشعر الجاهلي على أحوال مجتمعه، وبنى رفضه له لا على الصورة الصحيحة التي يقدمها هذا الشعر إذا أُحسن فهمه، واستقصيت نصوصه، بل على الصورة الشائعة عنه، هذه الصورة المستمدة من قراءة تقتصر على شعر الأغنياء في مطولاتهم، ولا تحسن فهم هذا الشعر نفسه، ولا تعرف النصوص الغزيرة التي نظمها الشعراء المغمورون من البدو العاديين.