الحياة الدينية في الشعر الجاهلي عند طه حسين.. الطعن في أصالة الأدب الجاهلي لخلوه من تصوير الحياة الدينية عند العرب قبل الإسلام



زعم طه حسين أن "هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين يظهر لنا حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني القوي والعاطفة الدينية المتسلطة على النفس والمسيطرة على الحياة العملية، وإلا فأين تجد شيئا من هذا في شعر امرئ القيس، أو طرفه، أو عنترة؟ أو ليس عجيبا أن يعجز الشعر الجاهلي كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين، وأما القرآن فيمثل لنا حياة دينية قوية تدعو أهلها إلى أن يجادلوا عنها ما وسعهم الجدال.."

وواضح أن طه حسين في هذا يوافق مرجوليوث في الطعن في أصالة الأدب الجاهلي لخلوه من تصوير الحياة الدينية عند العرب قبل الإسلام.

أما أن القران الكريم نص ثابت، لا سبيل إلى الشك فيه، فذلك حق، ولا جدال فيه، وأما أن القرآن يصور حياة العرب الدينية قبل الإسلام، فذلك لا جدال فيه أيضا، لأن الناحية الدينية أهم النواحي التي جاء بها الإسلام لإصلاحها، وبيـان الحق فيها، فكان من الطبيعي أن يبين وجه الفساد والخطأ في المعتقدات الدينية التي لا تنسجم مع هذه المبادئ، ولا تتفق مع العقل السليم، ومن ثم كان لا بد أن يفيض في محاربة عبادة الأوثان، ومجادلة أصحاب العقائد التي لا تتمشى مع مبادئه ومناهجه.

بيد أن مقارنة الشعر الجاهلي بالقرآن الكريم في هذه الناحية أمر ينبغي ألا يكون؛ ذلك لأن الشعر ليس من أهدافه الوعظ والإرشاد، ولا الدخول في جدل أيا كان نوعه.

ولا يستبعد إطلاقا أن يكون هناك شعراء تغنوا بالعاطفة الدينية، وصوّروا أثر العقيدة في نفوسهم، بل من المرجح أيضا أن يكون منهم من تحدث عن الشعائر الدينية في شعره، غير أن قليلا أو كثيرا من هذا الشعر لم يصل إلينا  لأسباب منها:

1- ضياع كثير من الشعر الجاهلي.

2- إغضاؤهم عن رواية هذا الشعر، ورعا وتقوى، ولأن الإسلام، أيضا، قد نهى عن رواية مثل هذا الشعر.

3- إن تأثير الدين في حياة الإنسان الجاهلي كان ضئيلا .

4- انهيار الوثنية، في أواخر العصر الجاهلي، في نفوس أصحابها.

ومع هذا فإن ما وصل إلينا من شعر جاهلي فيه إشارات كثيرة إلى ما كانوا يؤمنون به من معتقدات، وإن رجوعا إلى كتاب الأصنام لابن الكلبي، واستقراء موسعا للشعر الجاهلي يدلان دلالة قاطعة على ما ذهبنا إليه.