الشاعر الجاهلي محور الانتماء القومي.. ندرة التحديات الخارجية التي تقتضي الموقف القومي الموحد وطغيان الحدث القبلي اليومي واستنفاده الجهد الفردي والجماعي



يبدو أن الفرد الجاهلي ما كان يعرف ضمن حدود حياته اليومية المعتادة انتماء قوميا أوسع من انتمائه إلى قبيلته، فإن دعا الظرف امتدت نظرته إلى القبائل والأرهاط التي تشترك مع قبيلته في الانتماء الأبعد، أو تشاركها في حلف أو جوار، أما الشعور بالانتماء القومي العربي فلم يكن هجسا واضحا عند الجاهليين، مثلما هو واضح في أيامنا، لعلتين:

أولاهما: طغيان الحدث القبلي اليومي، واستنفاده الجهد الفردي والجماعي. 

ثانيهما: ندرة التحديات الخارجية التي تقتضي الموقف القومي الموحد، فقد كانت الامبراطوريات الثلاث المجاورة حريصة على ألا تجاهر العرب كلهم بالعداء، وإنما كانت تختار موقع ضربتها من القبائل بعد ضمان سكوت القبائل الأخرى، إن لم تعمد إلى ضمان موالاتها في بعض الأحيان.

على أن بعض التحديات ذات الطابع الشمولي اقتضت مواقف موحدة، وجد أبناء الأمة فيها طريقهم إلى الوقوف على أرض قومية، تتجاوز التزامهم القبلي الضيق، ووجد الشعراء فيها منفذهم إلى استلهام صيغة جديدة من الجهد الجماعي المتجاوز لهموم الالتزام القبلي الطاحن، الذي ظل يفصل بينهم وبين ارتيادها بشكل صريح.

ومن هنا يكون لنا أن نتأمل بواعث هذا الزهو الغامر، الذي يتدفق في القصائد التي انبثقت في أيام المواجهة القومية على مشارف الأرض العربية، فحيث تواجه نزار تسلط الأحباش على جنوب الجزيرة تبذل جملة محاولات لعل أكثرها خلودا ما قام به الثائر العربي، سيف بن ذي يزن، وكان قد ضاق بالاحتلال الحبشي فثار بقومه في وجه الغاصب الأجنبي، وفيه قال أمية بن ابي الصلت:
في البحر خيم للأعداء أهوالا -- فلم يجد عنده النصر الذي سالا
ليطلب الثأر أمثال ابن ذي يزن -- أتى هرقلا وقد شالت نعامته