تحكم بنية العلاقات الموضوعية داخل الحقل العلمي في توجيه التفاعلات بين أعضاء الجماعة العلمية



يصنف بورديو رأس المال العلمي إلى نوعين: الأول: رأس مال علمي "صاف" والثاني: ورأس مال علمي "مؤسساتي"؛ ومع تراكم رأس المال العلمي، ومن ثم الرمزي يكتسب الحقل العلمي مصداقيته.

ويرى بورديون أن بنية العلاقات الموضوعية داخل الحقل العلمي هي التي تتحكم في توجيه التفاعلات بين أعضاء الجماعة العلمية بالحقل، فهي توجه وجهات النظر، وتحدد المداخلات العلمية، وأماكن النشر العلمي، كما أنها تحدد نوعية الأشخاص والباحثين، كما تحدد اهتماماتهم بالموضوعات البحثية، إضافة إلى تحديد الأعمال التي يستطيع الأفراد القيام بها أو عدم القدرة على أدائها (chirley, 1986 : 96).

ومن هنا، نلحظ تركيز بورديو على أهمية العلاقة بين السياق الأكاديمي، والبنية التنظيمية، وبيئة الجامعة، والتفاعلات الداخلية للوسط الأكاديمي وما يضمه من نشاطات علمية وعلاقة كل ذلك بعملية إنتاج المعرفة، حيث لفت الانتباه إلى تأثير الصراعات الفكرية، وأهمية المناقشة الجماعية، موضحا الفرق بين وضع المعلم الذي ينقل المعرفة بطريقة نمطية وبين الأستاذ الذي يساعد الطالب على اكتساب المعرفة وإنتاجها.

وركز (Kitcher, 2000: s33-39) على أهمية البواعث والاهتمامات الشخصية للعلماء كعوامل محددة للإنتاجية العلمية، بالإضافة إلى متغيرات أخرى هي: القوى البشرية العلمية ( الباحثون والفنيين)، وعمليات التعاون، والمشاركة، والمنافسة، والمكانة والهيبة، والنفوذ، والاهتمامات الاجتماعية، والبناء الطبقي والتكوين الإثني لجماعات العلماء في الحقول العلمية المختلفة، والسيرة الذاتية للباحثين ودورها في تحفيز الاكتشافات العلمية أو عرقلتها.

ولفت (Pickering, 1993: 559) الانتباه إلى عملية تشويه الممارسة العلمية داخل النسق الأكاديمي لإنتاج المعرفة، ونظر إليه باعتباره كل متكامل يتكون من جوانب مادية وأخرى إنسانية، يتفاعلان بصورة ديالكتيكية، حيث يؤدى هذا التفاعل إلى إنتاج بنية جديدة بشكل تفاعلي، ويرى أن المكونات المادية لها أهمية تماثل المكونات الإنسانية في إنتاج المعرفة العلمية وتحديد معالم السياق العلمي. وفي نفس السياق طرح كل من  "لاتور، وكالون، وولجار" رؤية حيال تحليل أوضاع السياق الأكاديمي، وعلاقته بتطوير مجتمع المعرفة والتكنولوجيا، مفادها أن النسق العلمي بمثابة شبكة اجتماعية فاعلة Actor-Network Theory، تضم مجموعة من العناصر المادية والإنسانية المتكاملة معا، وتتسم بالديناميكية، والانسيابية والتجدد، وتعمل بشكل منظومي، (Fountain, 1999: 339-48).

ومن هذا المنطلق، اهتم أنصار النظرية بدراسة المجتمع العلمي، وفهم وتحليل العلاقات البينية بين أعضاءه وتحديد آليات التفاعل والتنشئة الأكاديمية داخله، مبرزين أهمية الإسهامات والحوارات الأكاديمية، وتنسيق الأعمال في تنظيم المشاركات بين أعضاء الجماعة الأكاديمية، ويؤكد (Latour, 1990: 56-57) على أن الحوارات، واللقاءات العلمية، والمؤتمرات، الاقتباسات داخل السياق العلمي، تساهم في تشكيل وإعداد العلماء الصغار وجعلهم أعضاء فاعلين ومساهمين في إنتاج وتأسيس مجتمع المعرفة. (Latour, 1987& Callon, 1986& Fountain, 1999: 339).


0 تعليقات:

إرسال تعليق