طبيعة الزمن الروائي.. الزمن الفيزيائي المأخوذ عن الساعات المحدد بوساطة التركيب الموضوعي للعلاقة الزمنية في الطبيعة



إن (الزمن في الأدب) هو (الزمن الإنساني)، وأن وعينا للزمن هو جزء من الخلفية الغامضة للخبرة.

وتعريف الزمن هنا هو شخصي، وذاتي، ونفسي. وهناك زمن عام (موضوعي) يمكن تحديده بوساطة التركيب الموضوعي للعلاقة الزمنية في الطبيعة.

إنه مفهوم الزمن الفيزيائي المأخوذ عن الساعات.
وهو مستقل عن خبرتنا الشخصية، ويتسم بصدق يتعدّى حدود الذات لكونه يطابق التركيب الموضوعي الموجود في الطبيعة.

وإذا كان الزمن الأول نفسياً (أو داخلياً) فإن هذا الزمن طبيعي (أو خارجي) وله ارتباط بالزمن التاريخي والزمن الكوني، حيث يمثل التاريخ إسقاطاً للخبرة البشرية على خط الزمن الطبيعي، وهو يمثل ذاكرة البشرية.

غير أن خبراتها مدوّنة في نص له استقلاليته عن عالم الرواية. ويستطيع الروائي أن يغترف منه كلما أراد.

ويتجه (الزمن التاريخي) إلى الأمام فيمثل خطاً أفقياً تنطلق منه حيوات الشخصيات في اتجاه واحد، ذلك أن الزمن يسير نحو المستقبل مؤكداً حتمية الموت الذي هو مآل الإنسان. وبهذا تصطبغ هذه النظرة الفلسفية بالتشاؤم.

وترى الزمن عنصراً هداماً يقضي على قوى الإنسان، تقابلها نظرة إيجابية إلى مسار الزمن على أنه مسار تصاعدي يسير نحو التقدم والتطور.

وقد غلبت النظرة المأساوية على روايات (الأجيال) التي كانت تصوّر حركة الاضمحلال وتمثل مأساوية المصير الإنساني ونهايته المحتومة: فأبطال زولا مثلاً في (أسرة ماكار) مسوقون عبر الزمن نحو نهاية تحدّدها الوراثة والبيئة واللحظة التاريخية.

وكذلك أبطال دستويفسكي في (الإخوة كارامازوف)، وغيرهما ممن تظهر في رواياتهم وطأة القدر الذي يعمل عمله في هذه الأسر العريقة، ويدفعها إلى التفكك والتشتت.

ويأتي هذا الهدم من داخلها، ويتجلّى في صورة فساد وانحراف يلمّ بالأجيال الناشئة، نتيجة لانحلال المجتمع الذي يعيشون فيه، ويشكّلهم على شاكلته.
وأما (الزمن الكوني) أو (الفلكي) فهو إيقاع الزمن في الطبيعة، ويتميز بالتكرار واللانهائية.

وهذا المفهوم يسود الأساطير التي ترمز إلى تجدد الحياة وانبعاثها، فيرتبط الزواج مثلاً بالصيف (رمز الخصب)، بينما ترتبط الثورة بالربيع (رمز تجدد الحياة).

وتمثل حركة الشمس في السماء المواقيت في أسرة عبد الجواد، لا الساعة؛ (فالفجر) يرى أمينة وهي تستيقظ لإعداد الفطور، و (الصباح) يشهد حركة الأسرة في استقبال يوم جديد، و (المغيب) يجمعها حول المجمر في مجلس القهوة.

وهذا البعد الزمني أقرب إلى المفهوم البدائي للزمن الذي يقوم على تقسيم السنة والنهار.