نظام السرد الذاتي في الخطاب السردي.. معرفة الشخصية الحكائية والسرد الموضوعي عند توماشفسكي والرواية الشيئية التي تخلو من وصف المشاعر السيكولوجية



نظام السرد الذاتي فيه نتتبع الحكي من خلال عيني الراوي، ولا تٌقدّم الأحداث فيه إلا من زاوية نظر الراوي، فهو الذي يُخبر بها، وهو الذي يعطيها تأويلاً معيناً يفرضه على القارئ، ويدعوه إلى الاعتقاد به.

ونموذج هذا الأسلوب هو الروايات الرومانسية والروايات ذات البطل الإشكالي.
ثم جاء الناقد الفرنسي (جان بويون) J. Pouillon ففصّل القول في (وجهة النظر) في كتابه (الزمن والرواية) 1945 حيث صنّف (زاوية الرؤية) في ثلاث:

1- الراوي < الشخصية الحكائية (الرؤية من خلف).
وتُستخدم هذه الطريقة في الحكي الكلاسي.

ويكون الراوي عارفاً أكثر مما تعرفه الشخصية الحكائية، فهو يعرف ما يدور في خلد الأبطال، ويدرك رغباتهم الخفية التي قد تخفى عليهم هم أنفسهم.
وهي نظير (السرد الموضوعي) عند توماشفسكي.

2- الراوي = الشخصية الحكائية (الرؤية مع).
وتكون معرفة الراوي هنا على قدر معرفة الشخصية الحكائية، فلا يُقدم لنا أية معلومات أو تفسيرات إلا بعد أن تكون الشخصية نفسها قد توصلت إليها.

ويُستخدم في هذا الشكل ضمير المتكلم أو ضمير الغائب.
ولكن مع الاحتفاظ دائماً بمظهر الرؤية مع.

والراوي في هذا النوع إما أن يكون شاهداً على الأحداث أو شخصية مساهمة في القصة. وهي (السرد الذاتي) عند توماشفسكي.

3- الراوي > الشخصية الحكائية (الرؤية من خارج).
والراوي هنا لا يعرف إلا القليل مما تعرفه إحدى الشخصيات الحكائية.

والراوي هنا يعتمد كثيراً على الوصف الخارجي، أي وصف الحركة والأصوات، ولا يعرف إطلاقاً ما يدور بخلد الأبطال.

وسبب عدم إشارة توماشفسكي إلى هذا النوع الثالث من (زاوية الرؤية) هو أن هذه الأنماط السردية التي تتبنّى هذه الرؤية لم تكن قد ظهرت إلا بعد منتصف القرن العشرين، على يد الروائيين الجدد.

ووُصفت الرواية المنتمية لهذا الاتجاه بـ(الرواية الشيئية)، لأنها تخلو من وصف المشاعر السيكولوجية، كما أن بعضها يكاد يخلو من الحدث.وجلّ ما هنالك وصف خارجي محايد لحركة الأبطال وأقوالهم، مع غياب أي تفسير أو توضيح.

ويجد القارئ نفسه أمام كثير من المبهمات، وعليه أن يجهد نفسه لإكسابها دلالة معينة.