عندما تتكلم الفصول في نسيم الصبا.. النص الشعري يساعد على تقريب النص من شكل المسرحية عندما ينهض بدور الجوقة



يعد فصل "في أقسام العام" من أجمل فصول الكتاب، وفيه يرصد ابن حبيب حالة فريدة من حالات الحوار بين فصول السنة الأربعة التي يستنطقها المبدع لتبوح بعبارات ذات بنية دلالية دافقة ومفعمة بالخصوبة، يقول الراوي:

"حضر فصولُ العام مجلسَ الأدب في يوم بلغ منه الأريبُ نهاية الأدب، بمشهد من ذوي البلاغة ومُتقني صناعة الصياغة، فقام كلٌ منهم يعرب عن نفسه، ويفتخر على أبناء جنسه، فقال الربيع: أنا شاب الزمان، وروح الحيوان، وإنسان عين الإنسان، أنا حياة النفوس، وزينة عروس الغروس، ونزهة الأبصار، ومنطق الأطيار.

عرف أوقاتي ناسم، وأيامي أعياد ومواسم، فيها يظهر النبات، وتنشر الأموات، وترد الودائع، وتتحرك الطبائع، ويمرح جَنيب الجنوب،... عساكري منصورة، وأسلحتي مشهورة: فمن سيف غصن مجوهر، ودرع بنفسج مشهّر، ومغفر شقيق أحمر، وترس بهار يبهر، وسهم آس يرشق فينشق ورمح سوسن سنانه أزرق، تحرسها آيات، وتكنفها ألوية:
إن هذا الربيع شيء عجيب -- تضحك الأرض من بكاء السماء
ذهــب حيثما ذهـبنا ودر -- حيـث درنا وفضة في الفضاء

وقال الصيف:
أنا الخِل الموافق، والصديق الصادق، والطيب الحاذق. أجتهد في مصلحة... بي تتضح الجادة.. مواعدي منقودة، وموائدي ممدودة.
الخير موجود في مقامي، والرزق مقسوم في أيامي...
مصيف له ظل مديد على الورى -- ومَـنٌّ حـلا طعماً وحلَّل أخلاطا
يعالـــج أنـواع الفواكه مبدياً -- لصحـتها حفظـاً يعـجّز بقراطا

وقال الخريف:
أنا سائق الغيوم، وكاسر جيش الغموم، وهازم أحزاب السموم،... وأظهر كل معنى جلي، وأسمو بالوسمي والولي، في أيامي تقطف الثمار وتصفو الأنهار من الأكدار، ويترقرق دمع العيون، ويتلون ورق الغصون.. وفيها يكفى الناس هم الهوام، ويتساوى في لذة الماء الخاص والعام، ... بي تطيب الأوقات، وتحصل اللذات، وترق النسمات...وتسكن حرارة القلوب...
إن فصـل الخـريف وافى إلينا -- يتهــادى في حلة كالعروس
غيــره كان للعيون ربيعــاً -- وهو ما بيننا ربــيع النفوس

وقال الشتاء:
أنا شيخ الجماعة، ورب البضاعة، ... ومن ليس له بي طاقة أغلق من دونه الباب. أميل إلى المطيع، القادر المستطيع، المعتضد بالبرود والفرا المستمسك من الدثار بأوثق العرا، المرتقب قدومي وموافاتي.... ومن يعش عن ذكري ولم يمتثل أمري، أرجفته بصوت الرعد، وأنجزت له من سيف البرق صادق الوعد... كم لي من وابل طويل المدى وديمة تطرب السمع بصوتها، وحيا يحيي الأرض بعد موتها، أيامي وجيزة، وأوقاتي عزيزة، ومجالسي معمورة بذوي السيادة، مغمورة بالخير والمير والسعادة. نقلها يأتي من أنواعه بالعجب، ومناقلها تسمح بذهب اللهب، وراحتها تنعش الأرواح، وسقاتها بجفونهم السقيمة تفتن العقول الصحاح. إن ردتها وجدت مالاً ممدودا، وإن زرتها شاهدت لها بنين شهودا:
وإذا رميت بفضل كاسك في الهوى -- عـادت عليك من الدقيق عقـودا
يا صاحــب العـودين لا تهملهما -- حـرك لنا عـوداً وحـرق عودا"

فالنص السابق ـ في أقسام العام ـ يمكن اعتباره بناءً استعاريًا تمثيليًا لدلالة أعمق، ففصول السنة يمكن عدّها نماذج استعارية للمراحل العمرية التي تمرّ بها الذاتُ البشرية، فالربيع هو فترة الصبا والشباب  حيث الحركة الدائمة والحيوية التي يضيف بها الإنسانُ لرصيده الذاتي خبراتٍ ومعارف.

وهي كذلك صنو النَّزق والطيش فالإمكانات الدلالية لهذه الأوصاف تمكّن من فهمها في صورة مُتوافقة مع التصوّر السابق، ويأتي النص الشعري مُلخِّصًا للحكمة الإنسانية الشاملة ففترة الصبا والشباب يُمكن النظر إليها من زاويتين مُتباينتين تعتمد كلٌ منهما على الحيز الزمني الذي يوجد فيه الرائي وهذا هو مناط عجائبيتها.

فهي فترة طويلة وقصيرة في الآن ذاته؛ طويلة لمن يعايشها فيظن أنها ستدوم للأبد ويخدعه طولها ويغريه بارتكاب المعاصي باعتبار أن طولها يسمح بالمراجعة الكفيلة بمحو ما تراكم من ذنوب.

فالحياة تتبدّى في هذه الفترة في صورة تجليات جمالية خادعة "ذهبٌ، ودرٌّ، وفضةٌ" مهما كانت المخاطر التي تحيق بنا وتعوقنا، وقصيرة لمن ينظر إليها بعد انقضائها، فيكتشف قصرها الشديد مُقارنة بما كان يمكن أن يفعل فيها فيشعر في أحايين كثيرة بالندم لعدم استغلال هذه الفترة على الوجه الأكمل، فيتحوّل الضحك المُعادل للنزق السابق إلى بكاء مرير مُعادل للندم الآني، والنص الشعري برصده للزاويتين يكشف ماهية الفترة ويضع الإنسان أمام حقيقة مجلوة ويتركه يختار، داعيًا إياه بشكل ضمني إلى استغلال فترة الشباب في العمل والتحصيل والمحافظة على نقائها.

والصيف هو فترة النضج التي يتخلّى فيها الإنسان عن نزقه ويفيد من تجاربه السابقة ويسعى من خلالها لاكتشاف الآخرين لكي يفيدهم ويفيد منهم، فهذه الفترة هي المنوط بها إصلاح ما اعوجّ في المرحلة السابقة " يعالج أنواع الفواكه".

فهي ركيزة الحياة التي تلقي بظلالها على بقيتها"مصيف له ظل مديد على الورى" ففيها تبرز شخصية المرء ويُصنَّف ضمن أحد الفريقين الصالح والفاسد أما الخريف فهو ربيع النفوس، إنه فترة التأمل التي يبدأ فيها الإنسان في مراجعة ذاته واسترجاع ما مرّ به من أحداث وفق نظرة هادئة بعيدًا عن الانفعال الشبابي والانسياق وراء طموح الصبا، والرغبة في الارتقاء بالذات ولو على حساب الآخرين، إنه ربيع العمر الحقيقي.

ولكن قلة من الناس هم من يستمتعون به، هؤلاء الذين يملكون صفات خاصة، إنهم أصحاب النفوس القوية، القادرون على التأمل ومُراجعة النفس وتصحيح مسارها.
والشتاء هو الحالة الختامية حين تسقط زخارف الحياة الخادعة، ولا يتبقّى للمرء سوى عمله.

نلاحظ أن النص الشعري يساعد على تقريب النص من شكل المسرحية عندما ينهض بدور الجوقة؛ فالمشهد السابق يجعلنا بإزاء نص يستدعي البنية المسرحية بتشكيلاتها المُتميزة ومن أهمها صوت الجوقة الذي يصلنا عبر الصوت الشعري.

فالنص يمكن التعامل معه بوصفه مسرحية من أربعة فصول ، تتوزّع أدوار البطولة على أربع شخصيات "الربيع، الصيف، الخريف، الشتاء" يستبدّ كلٌ منها بفصل كامل، فكل فصل يعتمد على حضور مُكثّف لإحدى هذه الشخصيات وتواري مُؤقت لثلاث الشخصيات الباقية.

وتظل الشخصية تتحدّث ـ في الفصل الخاص بها ـ عن ميزاتها التي تفاخر بها في مواجهة ثلاث الشخصيات التي تتدرّع بالصمت، مثلها مثل بقية الشخصيات الثانوية الحاضرة منذ البداية في إطار الفضاء المكاني المُحدّد "مجلس الأدب" وبانتهاء حديث الشخصية عن نفسها ينتهي الفصل وتعود إلى صفوف المُستمِعين، ليبدأ فصلٌ جديد تتحدّث فيه واحدةٌ من الشخصيات السابقة وتواجه الآخرين ...الخ.

ويمهَّد لهذه البنية عبر صوت الراوي "حضر فصول العام مجلس الأدب في يوم بلغ منه الأريب نهاية الأدب، بمشهد من ذوي البلاغة، ومُتقني صناعة الصياغة.
فقام كلٌ منهم يعرب عن نفسه، ويفتخر على أبناء جنسه".

غير أن هذا التمهيد الذي يبدأ به الفصل يتخذ شكلاً شعريًا عندما يرد في مقام الانتقال بين الفصول أو في ختام النص المسرحي؛ ففي نهاية كل فصل يأتي النص الشعري وكأنّه التعليق الختامي الذي تنطق به الجوقة في المسرحيات القديمة، إنه تعليق موسيقي يهدف إلى إعادة تلخيص مضمون الفصل للمُشاهِد/المُتلقي، وفي الوقت ذاته تنبيهه إلى اقتراب ميلاد شخصية جديدة بملابسات جديدة، على مجرى الأحداث، وعلى انقاض الشخصية التي يتلاشى دورها فور الانتهاء من النص الشعري.

فالشعر يمفْصِل السرد لا بتقطيعه فقط ولكن بإعادة وصله؛ فالقول الشعري:
"إن هذا الربيع شيء عـجيب
تضحك الأرض من بكاء السماء
ذهــب حيثما ذهــبنا ودر
حيـث درنا وفضـة في الفضاء"

بقدر ما يفصل بين حديثي الربيع والصيف، بقدر ما يحافظ على ضمان قابلية المُتلقي للمُغايرة الدرامية التي ستحدث بظهور شخصية جديدة على المسرح، فالشعر يتحوّل هنا ـ في إطار بصري ـ إلى الستار في المسرح، الذي يعلن هبوطُه بين الفصول انتهاءَ أحداث الفصل ويعلن اختفاؤه بدايةَ فصل جديد وأحداث جديدة، ويختم النص المسرحي بصوت الراوي الذي يأتي في صورة شعرية:
"وماذا يعيـب المرء في مدح نفسه -- إذا لم يكن في قوله بكذوب؟"

إنه الستار الختامي الذي تنتهي الأحداث بانسداله، إنه صوت الجوقة المؤشِّر لتصاعد التجربة الدرامية.

فالراوي يدرك أن تصاعد التجربة الدرامية ووصولها إلى ذروتها وفق هذا الجو التنافسي والخطاب الحجاجي الجمالي، لابد أن يقابله ارتقاء في الحس الجمالي للمُتلقي الذي يظل يتطوّر على مدار النص حتى يصل إلى ذروته هو أيضًا في نهاية النص، فيستجيب لهذا التصاعد مُستبدِلاً بالنص النثري المُستخدَم في البداية نصًا شعريًا يتخذ شكلاً حياديًا عندما يثبت لكل مُتلفِّظ ملفوظَه السابق وينفي عنه صفةَ المُبالغة أو الغرور.