الانتماء الصريح إلى النثرية في مجموعة (بعد أن تسكنَ الريحُ) لسعد بن عطية الغامدي



- يتحدد مسار مجموعة ( بعـد أن تسكن الريح) في مساقين: أولهما الدعوة إلى الإحباط، وثانيهما الانتماء الصريح إلى (النثرية) على الرغم من التزام المجموعة بالوزن والقافية.
وعلى ضوء هذين المسارين رسمت المجموعة معطياتها المعرفية والفنية والجمالية.

- ففي (الرؤية) تُلغي المجموعة منـذ النص الأول الواقعَ من حساباتها، لأنه سيء، ولايستحق أن يُعاش، والحل لا يكون في الإصلاح، وإنما في الموت، فالشاعر يرفض الحياة لأنها بائسة، وبدلاً من التحريض على بنائها وإعادتها إلى الشكل الصحيح يدعو إلى الهرب.

نفدَ الدواءُ وليس مثلُ الموت  للدنيا شفاءْ
هي داؤنا ودواؤنا ونعيمُنا وهـي الشقاء
هي لقمة عزّتْ فألقتْ بالجموع إلى العراء
هي تخمة المثرين أودت بالبطون إلى امتلاء

- وتتحدد (الرؤيا) في المجموعة في المقاومة، والحب الإنساني العام، والحياء، والتفاعل الاجتماعي.
ولابد من الاعتراف أن الأسس التي بنى الكاتب عليها الرؤيا وردت في المجموعة ضمن مناخ مناقض للمفهوم الفلسفي للرؤيا وهو مناخ الموت.

إن الرؤيا تعني رؤية المستقبل من خلال الذات المبدعة عبر الصورة الفنية الفردة التي لاتتكرر.
وهي البديل الفني (للرؤية).

فالمجموعة تتهم الواقـع (في الرؤية) بالموت، وطبيعي أن تطرح (الرؤيا) البدائل الفنية لذلك.
إن ما جرى في المجموعة أنها طرحت مفاهيم مميزة، وكلنا يطمح إلى تحقيقها، ولكنها أبقت تلك المفاهيم مجرّدة ضمن سياق مباشر، إلى جانب أنها وحّدت بين الرؤية والرؤيا تحت مقولة الموت.

وهي لذلك تُبعد المتلقي عن تبنّيها، وتُحبِطه بدلاً من أن تساهم في توازنه إذا تبناها.
والأغرب من كل ذلك أنه حتى الدعوة إلى التفاؤل التي كانت تَرِدُ في بعض النصوص، وبخاصة في قصيدة (لا يأس) جاءت دعوة مفتعلة يؤكدها تكرار (لفظة الموت) ثلاث مرّات في أربعة أسطر.

يقول:
لا يأسَ
إن اليأسَ موت
والموتُ خاتمةُ المطاف
والموتُ قبلَ الموعدِ المحتومِ ذُلٌّ وانهزامْ

- وقد جاءت مفردات المعجم الشعري لتؤكد محتوى الدلالة الانهزامي في المجموعة، من ذلك مثلاً: (الموت، الجفاء، الشقاء، البكاء، العناء، الغدر، الخداع، الدماء، السّفاح، القبر، الكُربة، الذُّعر، الدمار، الأشباح، الدجى، الخطوب، الكهوف، النُواح، الفناء، الرثاء، الأنين، اليأس، الألم، الهدم..).

ونستطيع أن نؤكد أن أكثر من نصف مفردات المجموعة جاءت على هذا النحو، وهي لا تخص الرؤية فحسب، وإنما تشمل الرؤيا أيضاً.
إن مهمة الفن أن يُحـرِّض على الحياة، ويُنشِّط دافع الإنسان إلى التوازن لكي يؤدي مهمته فيها، وليس إلى إحباطه.

ونود الإشارة إلى أنه ليست المشكلة في الحديث عن الموت أواستخدام مفردات مشتقة منه فهذا أمر مشروع في الشعر، ولكن المشكلة تتمثل في طريقة توظيفها.

وليس عيباً أن يكون الحديث عن الألم، لكن المشكلة أن يكون الألم هو الغاية، والهدف.
- وقد تناولت المجموعة مفاهيم جمالية متنوّعة أبرزها (القبيح) الذي رسمت ملامحه مفردات مثل (العدوّ، والدمار، والخِسّة، والقتل، والفساد، والخداع، والتفرقة، والسّفاح، ومصاص الماء...) .

يقول:
متغطرسـونَ ذوو  طباعٍ فظّةٍ -- أصحابُ كيدٍ ماكرونَ يعودُ
ومضَوا وأقبح ما حوَوا يغريهمُ -- البطـشُ والتنكّيلُ والتشريدُ
لا يعرفون من الفضائل خصلةً -- أو يستقيم مع  اليهود وعودُ
كلاّ  ولم يرعـَوا  مودةَ ساعةٍ -- إن الوفاءَ مع اليهودِ بعيدُ

وقد بـدا مفهوم (الجميل) من خلال التعبير عن الشهادة كما في نصي إيمان وبطل نتانيا.
محمودُ فِعلُكَ فيهمُ محمودُ -- وفِعالُهم بينَ الخلائقِ سود

- ولم تستطع المجموعة إبراز (البطولي) . فهو مفهوم جمالي تجسّده الصورة الفنية.
ونصوص المجموعة جميعها عبّرت عن المفهوم، ولم تشكّله في حالة.
أما مفهوم (التراجيدي) فغطى معظم مساحتي الرؤية والرؤيا.

لقد جمعت المجموعة بين مفاهيم (القبيح والجميل والتراجيدي)، ولم تستطع تحويلها إلى قيم.
وسوف يتبيّن هذا الأمر في حديثنا عن المساق الثاني في المجموعة الذي يتعلّق بالشكل الجمالي للنصوص.

- وفي هذا الإطار نقول بإيجاز: لقد كانت أغلبُ نصوص المجموعة أقرب إلى (النثرية)، ومن علاماتها (المباشرة، والتقريرية) كما في النص التالي:
صبَّ العدوُّ عليهمُ جامَ الغضب
حشد الكلابَ جميعَها
كل النظاميين زجَّ بهم
وزجَّ بالاحتياط
والجيشُ رابعُ قوة في الأرض
إن كان في عددٍ إلى نصر سبب

ومن علامات النثرية أيضاً: (السردية، أنظر 83 حتى 90)، والتنظير والتمسّك.
وكل ذلك أدى إلى ضعف التخييل الفني ومن ثم الصورة الفنية.

من ذلك قوله:
هـي المرةُ الأولى يقومُ مرشّـحٌ -- لصهيونَ ترجو منه حظاً مواتيـا
ويعلو بإسـرائيلَ  أول أمرهـا -- وتدنـي علواً  بالمفاسـد ثانيـا
لتبلغَ شأناً  بالرياسـةِ  بعـدَما -- أقامتْ  بنـاءً  بالخساسةِ عاليـا
وأخفى نمواً في اقتصادٍ  وشعبُكم -- رهينُ دعاوى غاصَ فيها كما هيا
هذا حديث عن الانتخابات، وصهيون، وإسرائيل، والاقتصاد.

- ومن علامات النثرية (المنبرية)، كقوله:
قاتلوهم، واقتلوا الباطلَ فيهم
واقتلوهم، واصبروا إن طالَ للنصرِ صباح
هو آتٍ عن قريب، فاقهروهم

ومن ذلك ما يقوله الكاتب عن الشهيدة الطفلة إيمان:
إيمانُ أعلنتْ في مهدِها
بأن شارونَ وجيشَه - لولا هوانُنا –
عصابةٌ مهينةٌ حقيرةٌ
تَجْرعُ الذّلةَ في أزقة الجيتو
وتنـزوي عند مغيب كل شمسٍ
 تمضغُ الشعارَ والشعيرهْ

- ومما يؤكد علوَّ (النثرية) أيضاً أن كثيراً من نصوص المجموعة نصوص مناسبات ولذلك انحازت إلى جو المناسبة، وابتعدت عن جو الشعر (أنظر: 13- 25 – 31 – 51- 83- 145- 167-195).

- ونود أن نختم كلامنا بأن الكاتب بدأ المجموعة بمقدمة يشرح فيها مسوِّغ كتابته للنصوص، إلى جانب أنه كان يضع أمام كل نص مقدمة من النثر بهدف الإيضاح.

ونود أن نقول: إن الشعر لا يحتاج إلى مقدمات، وهو قادر على البوح بنفسه، إلى جانب أن ذلك يُعتبر مصادرةً لأحاسيس المتلقي، وتفاعله الافتراضي مع الحالة.

- ولابد من الإشارة إلى أن المجموعة لم تخلُ من الأبيات الجميلة، لكنها جاءت قليلة.

خلاصة الكلام:
تدعو مجموعة (بعد أن تسكن الريح) إلى الإحباط، وهي تصيب من يقرؤها باليأس، ففقدتْ بذلك دورَها التحريضي على الحياة المتوازنة.

وقد قدّمت أساسها المعرفي مجرداً في مناخ لم يتجاوز في معظمه (النثرية).