الأسطورة والخرافة.. رواية خرافية تطورت من أجل تفسير طبيعة الكون ومصير الإنسان وأصول العادات والعقائد والأعمال الجارية في أيامهم



الأسطورة والخرافة كلاهما تعامل مع الوعي بغائية معينة والأسطورة رواية خرافية تطورت من أجل تفسير طبيعة الكون ومصير الإنسان وأصول العادات والعقائد والأعمال الجارية في أيامهم.

لأحداثها ونشأتها تفسيرات تاريخية ودينية ورمزية وطبيعية ولم يكن العرب بمعزل عن بقية الشعوب فقد عرفوا هذا النوع من القص بوصفه إرثا إنسانيا وأدبيا هدفه تفسير العالم وجعل ظواهره مفهومه فطبيعة الحياة التي عاشها العرب وقساوة الصحراء ونظرتهم إلى ما يحيطهم جعلهم يعبرون بأشكال شتى من التعابير التي ارتبطت بحالات محددة تلبي حاجات الإنسان الأساسية في الفكر العربي القديم.

وتلتقي الأسطورة بالقصة القصيرة جدا من ناحية كونها تقف بين التاريخ والخيال فلا احد يظن أنها حقيقة رغم أن هناك من يؤمن بها إلا أنهم لا يجرؤن على البرهنة على صدقها، لقد تم انتفاء الأسطورة بوساطة الذاكرة الشعبية ثم اكتسبت استقلالا أدبيا ذاتيا.

وأحيانا ما تكون القصة القصيرة هي الأساس في الأسطورة وهذا يحدث عندما تشير أحداث القصة القصيرة ببطل فعلي أو تصوري لكنها جسدته في مكان وزمان معين ووضعته في إطار تاريخي خادع. أي إنها عملية خلق وإبداع أدبي، إنساني تلتقي بالقصة القصيرة جدا لأنها لا تستطيع صياغة خطابها بعيدا عن الرموز والمجازات التي تصوغ وفاءها الفعال لإنسانيتها من خلال التعبير عن المشاكل الشمولية التي تحيط بالإنسان بدءا من خلقه وحتى بعثه من جديد.

لنتأمل هذه القصة القصيرة جدا: (أسطورة)
(يحكى أن الناس في قديم القديم لم يكونوا يعرفون القبلة، وكان الرجل إذا أراد أن يغازل زوجته قرصها قرصة خشنة، فتشعر بألم ممزوج باللذة.. ظل الحال كذلك إلى أن تزوج احد أحفاد آدم امرأة جميلة، فولدت له طفلا مثل القمر، وعندما بلغ الطفل سبعة اشهر ازداد جمالا على جمال، وذات مرة غاب أبوه أياما عن البيت في رحلة صيد، وحينما عاد رآه في حضن أمه فسحره، وكأنه لم يره من قبل. كان خده بلوريا يشف عن وردة حمراء، وله سنّان صغيران نابتان في مقدمة فمه، كأنهما حبتان من البرد!
ناغى الطفل لأبيه، وكأنه يحادثه، حاول الأب بالكلام أن يرد على الصبي، فلم يفهم الصبي كلامه!، مد يده ليقرصه كما يفعل مع أمه فتراجعت أصابعه مشفقة على خده، فجأة وجد نفسه يقرب فمه من الخد ويطلق فوقه زقزقة لطيفة سميت قبلة.
أحب الناس القبلة، وصار الآباء يستعملونها مع أبنائهم والرجال مع زوجاتهم والأصدقاء مع أصدقائهم).

أما الخرافة فتمثل موروثا شفويا اشتعل عليه القصاصون العرب والنقاد كثيرا مستفيدين كغيرهم من التقاليد الأوربية العالمية في هذا المجال والخرافة حديث متعة وخيال واسع خصب يثير الدهشة والإعجاب والذهول (...) وربما كان الأكيد فيها مشجعا على الإفاضة في الخيال والإغراق فيه إلى درجة تجعل  المتحدث يبدو كالشيخ الذي أخرفه الهرم وفسد عقله فبدأ كالطفل لا يحاسبه احد على ما يقوله.

وهنالك من أضفى عليها صفة القصصية أكثر بعدها مجموعة الأفعال المرتبة التي تدور حول موضوع وهي ذات مغزى أخلاقي وغالبا ما يكون الأشخاص فيها وحوشا أو جمادات أو مخلوقات أخرى متخيلة.

وعن علاقة القصة القصيرة جدا بالخرافة يقول القاص الأسباني لويس مايثودبيت تلتقي القصة القصيرة جدا مع الخرافة في قدراتها الدلالية والإيحائية.
أما خوثي ماريا ميرنو فيرى أن الخرافة هي النوع الأدبي السابق للقصة القصيرة جدا.

ولكن نرى من النقاد من يستبعد العلاقة بين القصة القصيرة جدا والخرافة أمرا طبيعيا إذ يعد العلاقة بينهما من صنع الكتاب وليس من طبيعة الجنس ذاته أما الكاتب الأسباني أندريس نيومان فيقول: من الواضح كما برهن على ذلك اوغستو مونتروسو ينزع كاتب القصة القصيرة جدا إلى كتابة خرافة بدون درس أخلاقي أو بدرس أخلاقي شاذ أو بتقديم درس أخلاقي مضاد.
أي انه يحتفظ بناء الخرافة –أي موقفها- مستغنيا عن مضمونه الأصلي.

نستنج مما سبق أن التقاء القصة القصيرة جدا بالخرافة ينبني على ثنائية التقليد/ التحديث التي تتمظهر في قدرة هذا الموروث السردي على التحول واستيعاب روح العصر أولا وعلى أسس جوهرية متماثلة في العينات الجمالية لكل منها ولا سيما الأركان القصصية (الشخصية/ الحدث/ الزمن/ المكان) وهنا تحديدا تهيمن القصة القصيرة جدا الدرامية على القصة القصيرة جدا الغنائية وتسوغ انتماءها اليها في مفهومها العام.