مي خالد مقعد أمامي في قاعة السرد.. الجامعة الأمريكية أيقونة الغرب. قاعة إيوارت المكان الظل. زمن الحكي تقاطع السرد مع التراث



تعد مي خالد من كاتبات جيل التسعينيات بما أبدعته من روايات ومجموعات قصصية، منها أطياف ديسمبر (مجموعة قصصية)، "سحر التركواز "رواية، ورواية " مقعد أخير في قاعة ايوارت " التي سنقدم الأديبة في هذه الترجمة من خلالها.
    لقد تخرجت مي خالد في الجامعة الأمريكية، وذلك بعد التحاقها بكلية الألسن في قسم اللغة الانجليزية، وأحبت ذلك العالم الذي تعايشت معه بكل كيانها فجاعت روايتها سابحة في بحر يمكن أن يصب في محيط السيرة الذاتية، حيث جعلت بطلتها تحمل اسما يبدأ بالحرف ذاته الذي يبدأ به اسمها، فها هي منار وهبي الراوية في معقد أخير في قاعة ايوارت وهي تسجل تفاصيل وجودها في مبني الجامعة الأمريكية، في قاعات الدرس، وفي قاعات التمثيل الذي كانت تمثل قاعة ايوارت أشهر قاعاته ..
وكما شهدت قاعات الدرس تعرفها بزميل الدراسة "آدم سليم "، فان قاعة ايوارت أيضا شاركتهما أيضا عشقهما معا لخشبة المسرح في سنوات الشباب.
    من هنا جاءت هذه الرواية تمثل نوعا من الصراع الحضاري ، فضلا عن كونها السيرة الذاتية للساردة (لا نقول المؤلفة وإن اقتربت منها كثيرا).
    ولقد أرادت (مي خالد) فى روايتها الدخول إلى معترك الصراع بين الشرق والغرب ، بين (منار وهبي) و(آدم سليم)؛ فكلاهما ملتحق بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وكلاهما كان ينتمى إلى ( Class A وهو فصل المتفوقين من الحضانة وحتى الصف الأول الثانوي) بالمدرسة الأجنبية التى تحوى عديدا من الطلاب ذوى الجنسيات المختلفة.
    إذاً فرواية "مقعد أخير في قاعة إيوارت" تعد امتداداً لرواية الصراع الحضاري التي أهمت جيل الرواد من خلال أزمة البطل المغترب.
    ذلك الغزو الذي تناصت معه (مي) في قاعة إيوارت، من خلال وجودها في أحد الميادين الشهيرة الذي يشهد تكدساً غير عادي؛ لمرور موكب جنائزي يعيدها ذلك التوقف الإجباري إلي مبني جامعتها؛ الجامعة الأمريكية الذي يقف شامخاً في نهاية هذا الميدان، في محاولة لقهر حاجز الزمن الآني.
    الجامعة الأمريكية أيقونة الغرب:
لقد كان عنوان الرواية حاوياً بداخله اسم الجامعة الأمريكية على سبيل المجاز المرسل؛ فقد أشارت الساردة إلى الجزء من حيث إرادة الكل ؛ فجامعتها الحلم تحوى بداخلها العديد من القاعات ، ومن أشهرها قاعة إيوارت.
    إن " مقعد أخير فى قاعة إيوارت " قد أحدثت مزجاً بين صوتين تقاطعا فى العمل الروائي "هذا التقاطع الذي تمثل في علاقات مكانية وتداخل زمنى يتجسد أيضاً من خلال وجود صوتين للراوى: صوت يتحدث بضمير الغائب عن منار وهبي، والصوت الثاني يتحدث إلى منار بضمير المخاطب.. إن هذا التشكيل السردي يجعل قمة الحضور فى الغياب ، إننا نعايش شخصية منار بدرجة شديدة الحيوية، وبتفاصيل نفسية واجتماعية وفنية وذهنية دون أن تتحدث منار بصوتها ، إنها حاضرة فى غيابها من خلال الحديث عنها بضمير الغائب وضمير المخاطب كما يرى د. سيد قطب في كتاب "سرد التكوين".
    الساردة بوصفها منتمية ثقافيا إلى إيقاع الحياة في الثمانينيات ذلك الإيقاع الذى يعايش ، ويشهد عصر السماوات المفتوحة، تعبر عن ذلك الجيل الذي تلقى تعليمه الأكاديمي حينئذ فى بعض زوايا تقاطعها معه.
    وتكاد تكون هذه الرؤية سبباً فى نهاية الرواية، وتقاطع هذه النهاية مع عنوان الرواية؛ فالساردة – بوصفها الذات المؤلفة – مازالت تعود إلى ذلك المكان كل عام؛ الجامعة الأمريكية / قاعة إيوارت/ المقعد الأخير.
    قاعة إيوارت المكان الظل:
1.   المكان على مستوى الخطاب ؛ وهو ممثل فى السيارة, ثم الميدان الذى تقبع بداخله.
2.    المكان على مستوى الحكاية : سلسة الأماكن التى ترتادها الراوية ؛ بداية من Class A بالمدرسة الأجنبية، مروراً بكلية الألسن، نهاية بالجامعة الأمريكية، أى قاعة إيوارت .
    وإذا كانت قاعة إيوارت قد توارت إلى الظل على مستوى الحكاية؛ فإنها قد اتخذت مكاناً عالياً على مستوى الخطاب؛ وستظل (منار وهبي) جزءاً من هذا المكان ، فالتقليد الذى اتبعته هى وصويحباتها أن يجمعهن هذا المكان كل عام ، تحن إلى قاعة إيوارت بمقعدها الأخير، تحن إليها حنين شهرزاد العصرية إلى حكايا الماضي، وسيحتويها المقعد بحنان الأخشاب، وسيظل يذكرها بذلك اليوم، حفل التخرج : بعد قليل سيشهد المكان بروفة أخيرة لحفل التخرج . المشهد الأخير حيث المغادرة أكيدة ونهائية . بروفة مغادرة الماضي بفرح حتى نحتضن المستقبل فى بهجة . قاعة إيوارت تعج بالطلبة والطالبات . زملاء وزميلات من كل بقاع الأرض . أساتذة عرب وأعاجم وأفرنج . كرة أرضية تموج بشحنة من الارتباطات والمشاعر وتتوحد على قلب فرحة واحدة . تنتقل " موني" إلى المكان المحدد لها فى طابور التخرج . ترمق الأخشاب المحيطة بها . تتنسمها . مع النفير المهيب لافتتاحية أوبرا عايدة يرتج قلبها.  قلبها الذى اشتبك فى كردان نفوسة وتوسل إليها بألا تغادره . تمسح دمعة انفطرت من عينيها وتزيح طومي " ما انهمر من دمعاتها . بذهن شارد يتدربان على الطقوس على الوجه الأكمل ، إلى أن تفيقهما الخبطات الثلاث ليبدأ النشيد المهيب" وهو نشيد الجامعة بلغته الأجنبية.
    إذاً، فقد بدأت تضاء الرؤية لدى الساردة، وأصبحت منتمية إلى ذلك المكان الذى يحمل اسم " الجامعة الأمريكية بالقاهرة"،"وفى الصباحات التي تسبق العرض الأخير بقليل تتخذ مكانها المحبب المقعد الأخير فى قاعة إيوارت لتمتد على مرمى بصرها صفوف من المقاعد الفارغة الممتلئة بذكرياتها . المقعد الذى توسطته مرتعبة من ألا يقبلها المكان وهى تؤدى اختبار "ميتشيجان" مهر قبول الجامعة لها". 
    لقد أصبح المكان يرتبط بالحكاية الداخلية ، وبالحكاية الإطار ( وسيأتى تفصيل الحديث عنهما فى العنوان الآتي) من خلال المستويين السابقين؛ فعلى مستوى الحكاية تظل الجامعة الأمريكية بوصفها المعبد الذى تهفو الروائية إليه كلما مرت بميدان التحرير الذى تقبع فيه جامعتها:
    "ها هو يتباهى بكل ما تحمله العمارة الإسلامية من ثراء وخبرات بشرية ، يرفرف عليه العلم الأمريكي جنباً إلى جنب مع علم بلدها ، لكنها أبداً لم تلتفت إلى هذا العلم أو ذاك. فقط جملة واحدة هى التى كانت ولا زالت تسحرها وكأنها تحتوى كل ما افرزه شعراء ورسامو وعازفو العالم .. " الجامعة الأمريكية بالقاهرة " تتصدر واجهته وتعلوها:
The American University in Cairo
    وتستقران على خلفية لشريط مزخرف يطلى كل عام ويجدد مع المبنى ناصع البياض فيظل فى حالة شباب وبهاء دائمين ."
    إن الحنين إلى المكان ، واحتفال الرواية به ما هو إلا نوع من الألفة ، والحميمية، إنها حسب اصطلاح جاستون باشلار – البيت الأليف
    ولقد ظلت الكاتبة تعود إلى ذلك المكان ؛ قاعة إيوارت التى تقع داخل مبنى الجامعة الأمريكية بالقاهرة ، ذلك المكان الذى فارقته ولم تعد قطعة منه ، وإن كان هو قد صار جزءاً منها ؛ ففى المقعد الأخير ذاته من قاعة إيوارت تجلس وحيدة ، مؤتنسة بمئات الصفوف من ظهور المقاعد ، وهى تردد : " سيحتويك المقعد بحنان الأخشاب وتستمتعان بتلامسكما . سيتوسل إليك بألا تغادريه مثلما فعل كردان نفوسة من قبل. لكنك ستمرقين إلى الكواليس المزدحمة بالأحبال والألواح الخشبية . الغرفة الزرقاء . الدهليز الرابط بين مسرحى هوارد وإيوارت لتجدى لنفسك فى مواجهة " طومى" التى أتت للسبب نفسه .. التلصص على بقايا الماضى.."
    فالساردة هي وصويحباتها لايدركن أن العرض قد انتهى ، وأن الستار قد أسدل على تلك السنوات الأربع فى الجامعة الأمريكية، التى مازالت الساردة تفتش فيها عن ذلك الغائب الآنى " بفعل الزمن " ، لكن الحاضر بفعل " التذكر".
    إذاً فقد احتفلت الرواية بالبعد الإجتماعى للمكان الذي تشكلت فيه ملامحها وهي تخرج من المراهقة إلى النضج محتفظة ببراءة زمن الأحلام والتوهج حين كانت تظن أن عامها الذهني هو الذي سيعيد صياغة عالمها الواقعي .
    فالمكان هو الذى يحوى ملامح العالم من حولها ، هو الذى يشكل وعيها الثقافى ، والاجتماعي به.
    وإذا كان الحديث الآن عن جماليات المكان؛ فإن أهم ما يمكن الالتفات إليه فى رواية (مى) هو العنوان الذى ينقل لنا أبعاداً ثلاثة عنتها الراوية فى حكيها ؛ أولها : المكان الحكائي ، والمتمثل فى ميدان التحرير الذى تنتظر فيه مرور الموكب الجنائزى.
    ثم تأتى الأماكن الانتقالية ؛ ممثلة فى (  Class A) ، ثم كلية الألسن ، بشهورها الأربعة مع اختبار ميتشيجان.
    ثم يأتى المكان الأساس ؛ قاعة إيوارت ، بوصفه بعداً ثالثاً يحتوي الذات تماما ويستغرقها ويشهد فعاليات وجودها المتألق في سنوات الخروج من بوتقة الصبا وسذاجة المراهقة إلى تعددية الواقع وتحولات النماذج الإنسانية التي لم تكن تظن أنها تحمل أكثر من وجه..
زمن الحكي تقاطع السرد مع التراث:
    فالراوية قد جعلت ضمن حكايتها الإطار العديد من الحكايات الداخلية، والتي تعبر عنها:
"شهرزاد عصرية أنتِ يا موني. دورك في الحكي ثانوي، تتلقين الحواديت الصباحية في شغف ونهم. لذا يمكن أن نطلق علي مسلسلك "ألف صباح وصباح" ليطل كل الشخوص بحكاياتهم كاملة وبشكل مكثف في اللحظات الأخيرة."
    فذلك التقاطع الذي تقيمه الراوية مع التراث هو جزء من ذلك الإطار الذي ينفتح لتخرج منه الحكايات فالراوية تنطلق من حدث مركزي في الاستهلال الروائي ثم تدخل في خضم تيار الوعي لتستخرج حكاية من حكاية كما كان الحال مع شهرزاد الراوية البطلة في "ألف ليلة وليلة" وهي تحاول أن تغير مصيرها بالفعل الحكائي المستمر.
    إن هذا الإطار الذي ينفتح ما هو إلا جزء من تمثيل الرؤية التي تبنتها الساردة، تلك الرؤية التي تقوم علي المفارقة الدءوب بين الشرق والغرب، فهو تأكيد لذلك الدور الذى لعبه (آدم) فى مسرح مدرستها الأجنبية ، بوصفه ( هاملت) فى إحدى مسرحيات شكسبير، بينما ( منار ) " تتوسط الخشبة فى شموخ متلفحة بعلم مصر".
    ثم ينفتح الإطار مرة أخري ليظهر "عطيل"، ذلك الشرقي الذي آثرته "ديدمونة" علي كل وجهاء فينيسيا.
    وبذلك يكون هذان الرمزان جزءاً من تلك الرمزية التي تمجد الشرق الشامخ في الذاكرة الثقافية، في مقابل الغرب الآتي في فضاء الواقع.
    وهكذا فقد قاربت الرؤية علي الوضوح، بوصفها جزءاً من ذلك الصراع الحضاري الذي بثت الساردة أبعاده في ثنايا حكاياتها الداخلية، وصولاً إلي نهاية الحكاية الإطار التي عايشتها (مي) بطقوس عصرية، تتناسب مع قدوم ذلك الأخر إلينا، وثباته.
    إن "الجامعة الأمريكية بالقاهرة" لم ترحل، وهي - بوجودها بذلك الميدان الشهير- تعبير عن تلك المفارقة التي تثبت أن ذلك الآخر لم يعد الوصول إليه، والتواصل معه بحاجة إلي الرحيل إليه، كما تمثل ذلك في روايات الصراع الحضاري لجيل الرواد، بل ربما يأتي إلينا، ويصبح منا علي بعد خطوات في التجربة الحيوية الثقافية للذات المتطلعة إلى معرفة آفاق العالم العصري والتي يحركها الطموح الذهني والاجتماعي لمعايشة تجربة التعليم والتعلم على النسق الغربي..
1 - إذا ، فالجامعة الأمريكية هى أيقونة الغرب الباقية ببقاء المكان الذى يجدد كل عام ليحتفظ برونقه وبهائه ،
2- لقد كان للعنوان الأثر الأكبر فى توجيه نهاية الرواية ؛ فكانت " قاعة إيوارت " بوصفها مكاناً ؛ مزاراً للراوية ، تتنسم عبقها، حين تجلس فى القاعة الخالية نفسها، وفى مقعدها الأخير ذاته .
 3- لم تذهب الراوية وحدها، بل كان معها صويحباتها، يقتفين الأثر ، يبكين الطلل ، وكأن جيلها بأكمله لم ولن يتخلص من أسر الوافد الغربي
 4- تمثل الذات الساردة فى مقعد أخير فى قاعة إيوارت رؤية مغايرة لذلك الآخر الذى لم نعد نذهب إليه فى كل الأحيان ، بل أصبح يفد إلينا ؛ متسثمراً لطاقتنا فى الحرص على التميز الثقافى متمثلاً فى A.U.C ، أو مستغلاً ولعنا باستهلاك كل ما هو قادم من بلاد الآخر ، وإن لم يكن لنا به حاجة.
5- يبدو المقعد الأخير وكأنه مقصود به الشرق ، ممثلاً في محاولة لحاقه بركب الغرب الممثل فى الجامعة الأمريكية ، بقاعاتها، بوصفها رمزاً لتلك القوة المهيمنة فكرياً وثقافياً .
    وهكذا فقد أثرى العنوان ، بوصفه فضاءً مكانياً ، تجربة الساردة فى إطار تماسّها مع النموذج الروائى الخاص بالتواصل الحضارى ، فى تطوره الذى أوفد إلينا العديد من الصراعات؛ ما بين قيم جديدة واردة من الآخر الغربي ، ومفاهيم عالمية لم تعد تنتظر ذهابنا إليها ، بل أصبحت تلاحقنا .
فمنذ أن ألحقنا الآخر الغربي بركبه ونحن تملأ أسماعنا مفردات عديدة ؛ فهذا الانفتاح على الآخر قد مسَّ شغاف قلوبنا بدلالته هو ، بوصفه المرسل ونحن المستقبل لهذه الدلالات ، مصحوبا بالمتغيرات الاجتماعية والثقافية التى يموج بها المجتمع فى فترات تاريخه المتنوعة.
    حاول جيل مي خالد الانفتاح على العالم رابطا تجربته المحلية بالتجربة الحضارية الكلية وإن كان الغرب مركزا لها.. ومع ذلك وجد في منتصف الطريق عالما غريبا عن الذي تمناه.. تلك كانت مروية جيل التسعينيات.. أما الجيل السابق الذي ولد في الخمسينيات وتشكل وجدانه في الستينيات ووعيه في السبعينيات وشكل في الإبداع ما يمكن أن نقول عنه "جيل الثمانينيات" فلم يكن أحسن حالا لأن أفكاره النابعة من زمن مد القومية سقطت عند الاختبار في التجربة الواقعية كما حدث عند نعمات البحيري.
سعاد صالح عبد المطلب


0 تعليقات:

إرسال تعليق