كرمة سامي. مسرح للحكاية في كرمة السرد.. توظيف تقنيات الخطاب المسرحي في عالم السرد



كرمة سامي قاصة وناقدة وأكاديمية مصرية معاصرة, من مواليد 1966م وهي أستاذ للأدب الإنجليزي بكلية الألسن جامعة عين شمس.
تلمست كرمة الأبجدية الفنية منذ أن لمست حواسها وروحها ووعيها فضاء العالم إنها ابنة روائي قاص وإعلامي له مداده الخاص هو الأديب سامي فريد ووالدتها أستاذة في تدريس اللغة الإنجليزية وآدابها, فالفضاء الذي احتضنها بث فيها عشق الإبداع وحب الكلمة وإدراك العلاقات الدرامية في الوجود.
وما يميز الإبداع القصصي لكرمة سامي هو توظيفها لتقنيات الخطاب المسرحي في عالمها السردي.
    للقصة علامات وللمسرحية علامات كما أن لكل فن قولي أو تشكيلي أبجدية يعرفه بها الذين يتداولونه من المبدعين والمتلقين, لا نريد أن نفصل بين هؤلاء وأولئك, كل من يتعرف على الأبجدية الجمالية للفنون ويتذوقها ويعرف نظامها ويطلق من روحه وعقله صوتا يحمل طاقة منيرة تتسلل أشعتها إلى لغة التواصل العادية ومادته المألوفة, لا بد أن تكون فيه لمسة إبداعية, وقد يتلقى العمل الفني كثير من البشر لكن قدراتهم على التذوق والتحليل والإدراك ولمس المناطق الجمالية والمعرفية للعمل وفهم ما يدور في فضائه من قيم دلالية تختلف: فقد يعرف شخص ما أن هذه قصيدة ولكنه لا يعرف كيف يفهمها, تماما كما  يخمن مستمع أو قارئ اسم اللغة التي أمامه من بنيتها الصوتية أو الشكل الخطي لحروفها الطباعية لكنه لا يعرف كيف يقرأ هذه اللغة ويحصل على المرجعية المعرفية لنصوصها.
وحينما يكون كاتب القصة دارسا للدراما ومتأثرا بالأبجدية الجمالية للمسرح وواعيا بقدرة التعبير المسرحي على مخاطبة السمع والعين معا وتجسيد الأفكار في موقف درامي, فإنه يستغل جماليات المسرح في تشكيل خطابه القصصي, وهذا هو الحال في أعمال كرمة سامي القصصية, وهي تنحو إلى هذا الاتجاه بوعي نتيجة دراساتها وتدريسها للدراما الإنجليزية.
من هذا المنظور يطرح إبداع كرمة القصصي قضية وحدة الفنون أو تداخل الخطابات, لقد خلق الله –سبحانه وتعالى- الإنسان من نفس واحدة, وها هو ذا الإنسان الذي علّمه خالقه البيان ووهبه أبجدية التعبير ينطلق في إبداعه من جوهر واحد ثم يستقل هذا الإبداع في أشكال وأنواع وإن ظل محتفظا بتلك الوحدة أو تلك الشمس التي انتشرت منها أشعة وجوده وخيوط نسيج نصوصه.
    حكاية مرج صغير عنوان بعض أوراق كرمة التي أضافت إليه تفسيرا جانبيا قائلة (أحاديث جانبية) لتأخذنا إلى دنيا المسرح ويتحول فضاء القول السردي إلى خشبة مسرح فنرى العالم مجسدا أمامنا يطل علينا, أو يصبح النص "منصة" تجمع أبطال القصص بينما يكتسب القارئ صفة المشاهد أو يتخذ مقعد "المتفرج", بالتالي نرى الراوي في القصص وقد تقمص شخصية المخرج في العرض.
لنطالع كرمة في إحدى قصص المرج الصغير:
"أي يوم جمعة!
طنط إكرام ستأتي لاصطحابك بعربتها بعد صلاة الجمعة..
-  .................................!
لا يهم إن كنت تحب طنط إكرام أم لا.. هي عمتك شئت أم أبيت..
-  ........................
    تريدني أن آتي معك؟ لا أستطيع.. هنا تتوقف حدودي.
-  ......................
نعم ماما تعلم كل شيء وتصلح كل شيء.. لكن هنا تتوقف ماما وتصبح طفلة صغيرة مثلك!
هل وضعت علبة الفيتامينات في حقيبتك؟..
-- ............................
هل ستأخذ أيا من قصصك؟!
-  ..........................؟
لا لن أعطيها لأحد مادمت تريد أن تقرأها عندما تزورني كل جمعة.
-  .................................
قل له ألا يؤخرك عن موعدنا الأسبوعي دقيقة واحدة.. إذا تعنت سيجدني عند باب شقته الفارهة لأحرجه أمام المدام وأتسبب له في فضيحة في برجه الراقي ولو استدعي لي رجال الأمن بملابسهم الكحلية ومسدساتهم الفارغة!
-- ............................."
القصة القصيرة سكنت في شكل مسرحي تماما هو "المونودراما"..
    إننا نستمع إلى صوت شخصية واحدة على المسرح خلفها شخصية افتراضية وحديث مفتقد ومعها مأساتها التي يكشفها نصف الحوار الموجود في النص والنصف الآخر على المتلقي توقعه..
    إن صوت المرأة صاحبة الأزمة حاضر لكن صوت الطفل موضوع الأزمة غائب لأنه لا رأي له.. إنه شيء ينتقل من مكان إلى مكان طبقا لإرادة الكبار ودراما الواقع..
    هكذا تمضي القصة المونودرامية إلى قرب النهاية قبل أن تضغط  ذات المؤلفة مفتاح الشكل فيعود صوت الراوي القائم بأعمال المخرج في النص إلى البنية السردية مع الاحتفاظ بالخيط الذهبي الواصل بين القص والعرض:
    "على باب الشقة تمد يدها بحقيبته الثقيلة لسائق طنط إكرام.. يمضي معه خطوات حتى باب المصعد الخشبي القديم ثم يلتفت إليها ويرفع كفه الصغيرة ملوحا ويستدير بسرعة ليكمل خطواته نحو المصعد.. كفه الصغيرة تتشبث بكف السائق السمراء حتى يبتلعهما المصعد في جوفه.
    رجل صغير بعيني أيل شارد نما في سنوات قليلة بين ذراعيها وفي حضنها.. ينسحب الآن من غابتها الصغيرة المسحورة ليلقي بنفسه دون مقاومة في شباك صياد لا يرحم ليتركها تشيخ وحيدة..
    أغلقت الباب الخشبي وأسندت رأسها إليه."
    إن الراوي يفتح الستار كي نرى العرض الذي أعده ثم يعرض النهاية بصوته وداخل العرض الختامي يعلو أداؤه اللغوي فإذا به يضفي لمسة شعرية في صورة تعليق حينما يتحد تماما بشخصية البطلة التي ينسحب منها ابنها متجها إلى عالم جديد كله إغراء بينما هي التي ربت وتعبت وأصلحت وذاقت الشقاء الإنساني والاجتماعي مازالت تحيا في بيتها القديم ذي المصعد الخشبي الذي تلتمس من بابه العتيق شيئا من الدفء لم تجده في قلوب البشر.
    إن قصص كرمة سامي تصور لحظات المعاناة والاغتراب دائما والتمرد أحيانا والهرب من حصار القيود اليومية إلى أحلام اليقظة التي لا تحدث في عالمنا الخارجي أبدا.
    في قصة "كتف إكو الأيسر" تقدم كرمة لحظة إنسانية ثرية حافلة بالمعاني:
    البطلة تحضر مؤتمرا للمبدع الناقد "إكو" وهي في غاية الإعجاب بطرحه الفكري الذي يعد مؤشرا (بالأبجدية السيميوطيقية) على توهجه الروحي الذهني.. في الاستراحة تشرب بطلتنا الشاي مع رفيقتها ويصطدم بها المفكر العالمي وهو يعدو في القاعة بين مرافقيه.. تنتقل بطلة القصة إلى عالمها النفسي فتستحضر شخصية الفارس المتوهمة لديها تجاه أحد كتابها المفضلين فينسج خيالها موقفا مثاليا تلتقي فيه ببطلها الذي توقف عندها معتذرا بوصفه سيدا مهذبا يحترم الآخرين ويلهمهم بهذه اللمسة مساحة التقاء تظهر فيها إنسانيتهم وثقافتهم ومشاعرهم فيكون الاصطدام بالكتف الأيسر علامة رمزية (بالمصطلح السيميوطيقي أيضا) للتفاعل الروحي بين البشر المتشابهين في التوجهات والاهتمامات والنفوس.. يدخل (إكو) عالم البطلة الساردة للقصة بضمير المتكلم فتعرفه بنفسها وتحدثه عن صورته في عالمها كما كان يحدث في الروايات الرومانسية القديمة وتطلعه على مكانته عندها وكيف تقتدي به في عالمها الإبداعي وعملها البحثي ونشاطها الثقافي, كل هذا يحدث في متخيل البطلة الساردة التي تفيق في النهاية وهي ترى بطلها المنطلق يدخل إلى "الحمام" فإذا بالفارس ليس سوى شخصية "كاريكاتورية" مثل صورة الرجل المثبتة على الباب الذي ابتلعه (الصورة الكاريكاتورية الموضوعة على الباب هي علامة سيميوطيقية لتحديد طبيعة المكان كذلك).
    إن عالمنا الاجتماعي مجموعة من العلامات الباردة التي تحدد وجودنا من خلال أدوار وظيفية تعيشنا ونظن أننا نعيشها لكن العلامات في عالمنا النفسي لها دلالات أخرى يكشفها العمل الفني الذي يمنحنا لحظة التحرر الجميل الذي نتدفق في تياره والتمرد النبيل الذي تصعد فيه أعلى درجات الوهم قمة جبال الحقيقة.. إن النص الذي تقدمه كرمة يخفى في خلفيته نصا آخر يناظره يستحضره تساؤل افتراضي لدى قارئ مثالي هو: ألا يمكن أن يكون (إكو) المروي عنه هنا والمرسل إليه في مونودراما أحلام اليقظة قد تمنى لحظة تواصل حقيقية صادقة مع شخصية مثل البطلة وأنه مازال يحلم بحديث لم يقل بينه وبين قارئة مثالية قادرة على تحويل المفاهيم النظرية والأفكار المجردة والحالات الشعورية إلى عنقود سردي في كرمة الحكايات.. ومن أهم أعمال كرمة في المكتبة السردية: جميلة 1999م / مريم.. حكايا 2002م/ حكاية مرج صغير (أحاديث جانبية1)/ حكاية مرج صغير (أحاديث جانبية2)/ زهور المرج: شئون مواطنة عربية 2005م
    مسكين جيل التسعينيات بطل منتصر يقيم عالما من الوهم ليعوض به وجوده الشبحي في عالم الواقع.. وبطلة كرمة تنسحب إلى نفسها بعد أن تفشل في التواصل مع رموز ثقافتها العالمية حينما يجمعها بهم سياق واحد ولكنها تصدم من المفارقة بين عالم ذهني صنعته مخيلتها وعالم اجتماعي يطرحها في هامشه.. وبطلة "مي خالد" في "مقعد أخير في قاعة إيوارت" تختنق في إشارة مغلقة فتعود إلى زمن الطفولة والصبا لتجتر أياما تتمنى لو تعود لتحلم فيها من جديد وتحاول تحقيق أحلامها لتشارك في صياغة عالم باتت غريبة فيه.. أما بطلة هالة فهمي في "القطة" فتندم على خروجها من الباب الذي كان مفتوحا أيام لطيفة الزيات لتعود من "الباب الموارب" إلى "بيت القطة".
أ.د.سيد محمد قطب


0 تعليقات:

إرسال تعليق