انهيار (الحلم الجميل) أمام (الواقع القبيح) في مجموعة (خائنة الشّبه) لحسن الصلهبي.. علامة مميّزة من علامات الشعر الجديد



- يُعلنُ حسن الصلهبي في مجموعته (خائنة الشبه) عن انهيار (الحلم الجميل) أمام (الواقع القبيح):
 لحظةً
 أعرفُ مابي
أفتحُ الشباكَ للنجمِ
فيأتيني الظلام

- وهو يجسّد - في نص السواد - صورةَ الفرد المغترب المعاصر، ويعكس وحدته، ويُتمَهُ قائلاً:
ويجترّهُ  الليـلُ  في  صَحْوهِ -- يجرجرُ رِجليهِ حتى رماهْ
أيرنو؟ لمـاذا؟ لأشلائهِ؟ -- فألحانُهُ حشرجاتُ الشِّفاهْ
ويحكـي غرائبَهُ للفراغِ -- ويسمعُ من لامكانٍ صداه
- ويكاد هذا الهاجس يستحوذ على معظم مناخ المجموعة:
قلقٌ أنا حدّ الجنون
الموتُ فوقَ وسادتي

- ومصدر قلق الفرد الأساسي في المجموعة يعود إلى أنه غير قادر على تحقيق ما يطمح إليه:
قلقٌ أنا كبحَ الزمانُ جماحي
متشبثٌ بالمدِّ
أُفْرِغُ شقوتي
لكنما تغتالني أفراحي

- ومما يعزّز المسار التراجيدي في المجموعة، ويعكس الصورة القاتمة للواقع عناوينُ أغلب النصوص التي تأتي علـى النحو التالي: (السواد، شهوةُ النار، خائنةُ الشبه، ثرثراتُ الغبار، عنقُ الزجاجة، انتحالُ القصيدة، حالةُ اشتباه، هلعٌ يُغْمَسُ في شبهِ كلام، أخيراً سقط القمر، إذا أُحرِقَ الماء) فهناك اثنا عشر عنواناً يدل على ذلك من أصل عشرين.

- وجاءت مفردات المعجم الشعري امتداداً للعناوين والمناخ السائد في المجموعة، وتكريساً للأزمة التي يعاني منها الفرد: (الليل، أشـلاء، الفراغ، الموت، صحراء، العقيم، الأنين، الغياب، الغبـار، اغتيال، حزين، الصمت، النـدم، القيامة، اغتراب، الوجع، السواد...).
- ولكن في المقابل يطرح الشاعر - ضمن حقل الرؤيا - صورةَ المرأة بوصفها أحد البدائل الأساسية لانهيار الفرد، فهي المرتجى في إعادة التوازن والسبيل إلى الخلاص؛ لأنها مصدر (الجميل)، بل إن قيمة الجميل تجسّدت من خلالها ، وهي (البديل الموضوعي) للقحط المتجذّر في الواقع.

- ومما يُلاحظ أن المساحة المكانية التي استحوذت عليها المرأة جاءت واسعة، ربما ليؤكد الشاعر - من خلالها - على أن سُبل الخلاص ممكنة، وهو لذلك يربط بين موتها وبين الحياة:
حين تموتينَ
يخضّل عودُكِ
يُعشِبُ من فوقِكِ الرملُ
تُورِقُ أوردةُ المستحيل
وتنجذبُ الأرضُ نحوكِ
فكوني لكـلِّ جراحي كفنْ
لأنكِ حين تموتينَ
تحتكرينَ الزهورَ على شفتيكِ، وتبقينَ للعابرين وطن
ولايخفى على الناقد التناصُّ الناجحُ بين موت المرأة وفكرة الانبعاث في الميثولوجيا القديمة.
ويشير الكاتب إلى ذلك صراحة بقوله: (لابد من ألم الولادة).

- ومما يؤكّد ذلك أيضاً أن العلاقة بالمرأة ليست علاقة هامشية، بل إنها (حالة تصوف) تتوحّد من خلالها وفيها جميعُ الأشياء.
ولم تتوقّف حالة التوحّد والحلول عند المرأة، بل تجاوزتها إلى التوحد بالحلم، والتناص مع الحالة الصوفية والنص الصوفي:
عبرَتني  عبرتُهـا  واسـتدرْنا -- نحرثُ الليلَ بالنجومِ الفريدهْ
لم يعـدْ  لي سواكِ أنتِ اسمي -- بك ِفجري وأنتِ فيّ زهيدهْ

- ومن قوله في التناص مع النص الصوفي:
عرفتُكِ حينَ التقيتُ بذاتي -- ووجهُكَ وجهي وأنتِ أنا
وهو استحضار لمقولة النفري (حين سألتُهُ مَنْ أنتَ: قالَ أنتَ؟).

- والفرد في المجموعة دائم البحث عن يوم جديد، عن بدائل جديدة للرؤيا، ولايكون ذلك إلا من خلال اتحاده بالمرأة:
همّنا أن نصوغَ يوماً جديداً -- ونُدَلّي صوبَ الرياحِ شراعهْ
مِلْؤُنا الحبُّ والتصافي مضينا -- نتشهّى غداً فيُبدي امتناعَهْ

- أما الركن الثاني للرؤيا - إلى جانب المرأة - فهو الفرد المثال، ومن إهدائه لوالده يقول:
ووحدكَ في كفِّ الصباحِ
كوردةٍ
أُقبِّلُها حباً

- مما تقدّم يُلاحظ أن الشاعر يسعى لبناء الرؤيا منطلقاً من ذاته غير منكفىء عليها.
فإذا كانت الرومانسية تنطلقُ من الذات إلى العالم لتحقّق ذاتها فيه، فإن الرمزية تنطلق من الأنا إلى الذات لتحقّق توزانها فيه.
إن سوء الواقع ردّ الأنا - في المجموعة - إلى ذاتها فانكمشت محتجة على ما يجري.
فقـد بنى الشاعر الرؤيا على المرأة الجميلة الحبيبة، ونموذج الأب الجميل، والطموح اللامتناهي للفرد.
وكل هؤلاء استُحضروا من دائرة الأنا من خلال الاتحاد بها عبر علاقة تصوّف مميّزة.
ربما لهذا السبب جاءت الأنا حاضرة على الدوام في بناء الرؤيا.

- ومن نتائج ذلك الاعتداد الدائم بالذات الذي يتكرّر في المجموعة، ويأخذ مساحة كبيرة فيها:
لي نكهةٌ من حروفِ الماءِ
أمزجُها بشهوةِ النارِ
لاتبتزُّني ورقة
تأتي التآويهُ
لكنّ السحابَ أبـَى
أن يستجيبَ / وأن يحني لها عنقَهْ 

- ومن أركان الرؤيا أيضاً أن الفرد مصدر الخصب والنور:
أنثرُ الضوءَ وقلبـي  مُثخنٌ -- بالجراحـاتِ وحبـري يطّرد
ما أريد أن أشير إليه أن الذات - على الرغم من كل الإحباطات التي تحيط بها - لم تُصب بالعقم كما عبّرت عنه الرومانسية المريضة، ومعظم النصوص الجديدة.
وما ورد في المجموعة لم يكن من قبيل التفاؤل المجاني، أو الهتاف.
إن الشعر يبشّر بما هو آتٍ، وهو صياغةٌ جديدة للزمن الذي لم يأت بعد.

- وقد قدّم الشاعر كل تلك الهواجس المتعلّقة بالرؤية والرؤيا عبر الصورة الفنية الحية معتمداً على غزارة الصور الجزئية، والصـورة اللوحة، وفضاءات السؤال.
ومن سماتها: إلغاء المسافات بين الأمكنة والأزمنة، والحسية، والتكثيف، والرمزية.
إن المناخ الرمزي سيطر على جميع النصوص.
وقد كان له أثر كبير في تشكيل الصورة وبناء المواقف فأغناها وعمّق من آفاقها.

ومن جوانب الرمزية الربط بين المتباعدات، والجمع بين المتناقضات.
ومن ذلـك العبارت التالية: (اشتعالُ الصمت، شقوقُ اليأس، ظِفْرُ الزمان، زُلالُ دمي، يدُ المساء، النجمةُ الخرساء، دِثارُ المساء، ماءُ المرايا، أوجهُ الأشباح، المرايا البليدة، أدفنُ النجم، حشرجةُ السـؤال، أذرُعُ الريح، أذيالُ المسافة، شرايينُ القبور، حقلُ الدجى، أطرافُ وهمي، ناقـةٌ من هواء...).

- ومما يُلاحظ هنا أن جميع العلاقات الرمزية ساهمت في بناء المناخ التراجيدي في المجموعة، وهي تشكّل إلى جانب العناوين، والمعجم الشعري، والحالات السوداوية للفرد والمجتمع وحدةً عضوية ساهمت في نمذجة المواقف وتعميمها.

- و(السؤال) من العناصر التي أسهمت في بناء الصورة الفنية وعزّزت من خصوبتها.
والشاعر يُكثر من الأسئلة ربما ليعرف، ولكنه لايجد إجابات عن ذلك:
فأينَ أحطُّ الرحالَ
والماءُ في الماءِ
حتى النخاعِ ؟
اتغمضُ عينيكَ
حتى يفيضَ بكَ الضوءُ؟
ما للسِّحابةِ
تأوي إلى خدرِها غيرَ عابئةٍ
باحتراقِكَ في الماء؟.
ومن ذلك قوله أيضاً:
قلْ لهذي النجومِ :كيفَ توارتْ    حينَ أرخى المساءُ عنّا قناعَهْ؟

- بل إن هنـاك نصوصاً بُنيت علـى السـؤال كنص (وردة لايكوّرها الزمنُ المستدير).

- لقد استطاع الشاعر من خلال كل ما تقدّم أن ُيلغي المسافة التي كان يمكن أن تكون بين النمطين اللذين اعتمد عليها في المجموعة: التفعيلة والعمود.

خلاصة القول:
إن مجموعة الصلهبي (خائنة الشبه) علامة مميّزة من علامات الشعر الجديد.