مفاعيل الألم.. التشريح الفيزيائي والنفسي للشخصية اليهودية بحديها الديني كماضي والمعيشي كحاضر



في الفصل الثاني (مفاعيل الألم، يستعرض الأستاذ حسن حميد بشكل موسّع سيرة حياة الكاتب الروسي الشهير دوستويفسكي، ويتطرق إلى الجوانب المؤلمة والمحزنة في حياته وتأثير ذلك في نصوصه الإبداعية، فمن المعروف جداً أنّ قساوة الحياة التي عاشها هذا الكاتب داخل روسيا وخارجها تركت بصماتها عليه ابتداءً من مقتل والده على أيدي الفلاحين وانتهاءً بوفاة زوجته وأخيه في عام واحد وإغلاق صحيفته (الزمان) مما جعله عرضة لنهش الدائنين ومطالبة الكتّاب بمكافآتهم لقاء نشر مقالاتهم في صحيفته.‏

في مقدمة هذه (المراجعة) يثبّت الكاتب حكماً استباقياً يقول إن:‏ دوستويفسكي كاتب من فصيلة الكتّاب السَحَرة‏ وإنه شغله وفتنه وما يزال فهو كاتب لا يلقي بعض المفاتيح بين يديّ الدارس، ونصه لا يشير إلاّ إلى بعض الأبواب والنوافذ والممرات.

ويقرر أنّ قراءة دوستويفسكي فيها الكثير من المشقة والكثير من المتعة وأنّ قارئه ما إن يبدأ رحلة القراءة معه حتى يصاب بشيء من قلق الشخصيات الدوستويفسكية وإذ ذاك لا يستطيع الإفلات من اللوبان مع هذه الشخصيات الغارقة في حزنها والساعية إلى سعادتها. ودوستويفسكي المولود في 30 تشرين الأول سنة 1821 هو الولد الثاني في أسرة مؤلفة من سبعة أولاد.

والده كان طبيباً في مشفى متواضع أغلب نزلائه من المشردين والفقراء وقد توفي هذا الوالد ولم يتجاوز دوستويفسكي السنة الثامنة عشر من عمره وقد شكلت هذه الوفاة المبكرة بداية لسلسلة من الكوارث التي أصابت الابن بجحيمها وكان أكبرها تلك التي حلّت به في بداية حياته الفكرية وهي إلقاء القبض عليه بعد أن صار واحداً من أبرز نشطاء حلقة (بيتراشيفسكي).

فقد أُلقي القبض عليه ومَن معه عام 1850 واقتيدوا جميعاً إلى سيبيريا، وقد حُكم على دوستويفسكي وبيتراشيفسكي بالإعدام، غير أنّ الحكم في لحظة درامية، كما يصفها الأستاذ حسن حميد، شديدة الوقع وقف خلالها دوستويفسكي ورفاقه الثمانية قرب حائط الإعدام، تُلي القرار وشرع الجنود بتنفيذه. في تلك اللحظة ظهر أحدهم وهو يحمل عَلماً أبيض ودخل عليهم لاهثاً ليخبرهم أنّ القيصر قد ألغى قرار الإعدام، فعادت الحياة ثانية لتتنفس في أبدان المحكومين.

تلك اللحظة ظلّت مؤثرة في كتابات دوستويفسكي فيما بعد. ومن غرائب الأمور أنهم سيقوا إلى الجيش بدلاً من إطلاق سراحهم ليمضوا فيه عشر سنوات كان دوستويفسكي طوالها بعيداً عن الأدب ومشاغله وهمومه إلاّ أنه بعد سنة واحدة أصدر كتابه المهم (مذكرات من منزل الموتى).‏

فضجت به روسيا كلها حتى إنّ القيصر نفسه قرأه، وتأثّر به، اتخذ قرارات جديدة من أجل تحسين واقع السجون والمساجين والمنافي السيبيرية. ويروى عن القيصر بأنه كان ـ ومن شدة الانفعال ـ لا يقوى على ضبط دموعه التي بلّلت صفحات الكتاب.

بعد هذا يتناول الأستاذ حسن حميد حياة دوستويفسكي الإبداعية متطرقاً إلى أهم أعماله الروائية والقصصية مبتدئاً من رواية (الفقراء) أو (المساكين) ومتوقفاً عند رواية (المثيل) ومتابعاً أحداث (بروخارتشين) ومتأملاً (قصة في تسع رسائل) وقصة (الليالي البيض) ومتجولاً في (مذكرات من منزل الموتى) وباحثاً في (الجريمة والعقاب) و (الأخوة كراموزوف) و (مذلّون ومهانون) وغيرها.‏

ويخبرنا الأستاذ حسن حميد عن منفى دوستويفسكي في (اومسك) الذي حرمه من الكتابة ومنعه من نشر أي عمل أدبي في أي صحيفة أو مجلة روسية بدعوى الحفاظ على الأمن المزعوم ولكنه على الرغم من كل ذلك، كتب من داخل السجن والمنفى معاً عدداً من القصص التي قوّت عزيمته وجعلته يحتفظ بتوازنه مع العالم الخارجي ومن تلك الأعمال (مذكرات من بيت الموتى) الذي تحدث فيه عن واقع الحياة اللاإنسانية التي يعيشها السجناء وما يعانونه من ظلم واضطهاد واستعباد وذل ومهانة.

وكان السجن عند دوستويفسكي بمثابة غابة ممتلئة بالوحوش التي لا همّ لهم سوى مضايقة ما هو مرعب وحزين.
والمفارقة الكبيرة هي عيش نفر من البشر المظلومين في هكذا أمكنة، وكان دوستويفسكي واحداً منهم، بين هذه الوحوش.

ومع أنّ الأستاذ حسن حميد لم يقدّم في هذا الفصل (مفاعيل الألم) ما يدهشنا كما في الفصل الأول (اليهودي: أسطورة الراهن) إلاّ أنه اعترف لنا أنه أعاد قراءة أعمال دوستويفسكي مجدداً بوعي جديد بسبب مقالة طويلة كتبها دوستويفسكي في الصحيفة على نحو دوري تحت عنوان (المسألة اليهودية وقد نشرت هذه المقالات في الأعمال الكاملة التي طبعت عام 1877 ثم لم تظهر في أية طبعة أخرى حتى عام 1994 عندما نشرت في كتيب خاص.

ويقتطع الأستاذ حسن حميد بعضاً من تلك المقاطع وفيها يبين دوستويفسكي موقفه الصريح من اليهود ويحذّر العالم من أنّ اليهود يصنعون (دولة) داخل الدولة الروسية ومن مغبة الآتي من أفعالهم الشريرة، وهذا هو الذي جعل اليهود يعملون بجهد وثقل من أجل منع نشر هذه المقالات التي قالوا عنها:‏ إنها تشريح فيزيائي ونفسي للشخصية اليهودية بحديها الديني كماضي، والمعيشي كحاضر.