اتساع دائرة المواطنة وتضاؤل دائرة التمايز وتوطيد الوحدة والولاء الوطنيين في بعض البلدان العربية



إنّ الواقع العربي المعاصر يشير بوضوح إلى أن اتساع دائرة المواطنة وتضاؤل دائرة التمايز الجائر بين المواطنين من الأسباب الرئيسية للوحدة والولاء الوطنيّين في بعض الأقطار العربية، إضافة إلى ارتقاء مستوى الوعي الوطني والقومي، ومستوى الأداءـ ولا سيّما السياسي والاقتصادي ـ المتفاعل مع ذلك الوعي، وفي ذلك إعلاء لشأن الانتماء والولاء للوطن والأمة معاً، لكن ذلك لا ينفي وجود الانتماءات والولاءات المناهضة للوطنية والقومية، في أكثر من قطر عربي، وهي تحتاج إلى قراءات علمية واسعة ومعمقة لمواجهتها على نحو إيجابي، يضمن الاستمرارية والقوة للوحدة الوطنية وللهوية القومية.

أمّا إيقاظ الانتماءات الكامنة فيمكنُ أن يوجّه نحو الانفتاح والتسامح ليغدوَ ضرباً من التنوّع في دائرة الوحدة الوطنية والقومية، كما هو الحال في التنوّع الوطني (القطري) في دائرة العروبة.

فاستمرار التجزئة في المجتمعات العربية يمنح الانتماء القطري الهوية القانونية (الجنسية) التي تلزم التابعين لها بالانتماء والولاء لها، كما أن استمرار التجزئة يضعف الهوية القومية على المدى البعيد، ولا سيّما في ظلّ العلاقات العدائية بين الأقطار العربية، لذا تكون مواجهةُ ذلك بمزيد من التكامل والتضامن العربيين، كما أنّ مواجهة الانتماءات الكامنة بمزيد من قيم الانفتاح والتسامح والعدالة والمواطنة، يسهم في صنع توازن الولاء للوطني والولاء للعروبة، دون أن يتناقض مع تلك الانتماءات الكامنة.

إنّ الإقرار بإشكاليّات الانتماء والولاء للوطن هو السبيل لمواجهة تحدّياتها، وقد كان لسورية تجربة ناجحة جدّا من هذا القبيل، ابتداء من عام 1970.

فقد واجهت استبعاد تحقّق النموذج القومي (الدولة العربية الواحدة) بالتضامن العربي، فمواجهة القطرية بالتضامن العربي فيها إقرار بالتجزئة، لكنّها تستجيب للمتغيّرات وللواقع التاريخي، دون التخلّي عن ثوابت الهوية القومية، وعن ثوابت الانتماء والولاء لها.

كما أنّ التوجهات نحو تطوير فكر الحزب القائد للدولة والمجتمع في سورية، وهو حزب قومي عربي، يتجه نحو الاعتراف بالحالة القطرية واقعاً اجتماعياً واقتصادياً وقانونياً، مع الإصرار على رفضها إذا اتجهت نحو أن تكون مناقضة للقومية العربية، وللوحدة العربية التي يتطلّع العرب إلى تحقيقها.

والطابع القومي «بمعنى الاتجاهات والميول السائدة، لدى أمّة من الأمم في فترة زمنية معينة، أو تحت ظروف بذاتها» يتغيّر بتأثير الظروف الزمانية والمكانية، والثقافية، لكنّ تغيّره لا يحدث قطيعة مع الماضي.

لذا يصحّ القول بأنّ «الطابع القومي مكتسب وموروث» معاً، وفي ذلك ما يوجب مراعاة التغيّرات والمستجدّات لتطوير مفهوم الانتماء والولاء، لتتحقّق بهما وحدة المجتمع، ولتقوى بهما الدولة، فهما «يُساعدان المجتمع على إعداد المواطن الصالح المنتمي الذي يفيد مجتمعه؛ لأنّه عندما يكون هناك عدد كبير من المواطنين المتشبّعين بالولاء تشعر الدولة بطاقتها كاملة، وكذلك فالولاء والانتماء هما من أسباب وعوامل ظهور القومية والهوية العربية».

وقد كان للفكر النضالي القومي العربي نصيب بارز في صنع تلك الهوية وفي الدفاع عنها، وهي هوية لا تنفي تعدّد الانتماءات.

كما لا تنفي تعدّد الولاءات، لكنها تشترط تنمية كلّ منهما بالحذف والإضافة المؤسسين على أمرين: الأول وعي عواملِ التباعد لتجاوزها، وعواملِ التواصل لتقويتها إن كانت موجودة، ولإحداثها إن لم تكن موجودة، والثاني العمل الذي يجعل ذلك الوعي محقّقاً؛ إذ لا ضير، ولا تنازع حين يحتوي الولاء للعروبة ولاءً للوطن، وآخر للعائلة، لكن الضير والتنازع يكونان مثلاً في احتواء الولاء العائلي للوطني وللعربي، أي: في احتواء الانتماء التفتيتي للانتماء التوحيدي القومي والوطني.

إنّ وعي إشكالية العلاقة بين المواطنة والولاء والانتماء عربياً سيسهم كثيراً في تقوية السعي العربي نحو مجتمع مدني عربي متطوّر، ونحو مواطنة عربية أصيلة، تتحقّق بها العدالة، وتسهم في التنمية والتحرر والوحدة العربية.