الغرب والمجتمع المدني والعلاقة مع التطور الاجتماعي ومسيرة التاريخ الحضاري.. وجود البشر في حالتهم الطبيعية يحتاج إلى تنظيم دنيوي حرّ



إنّ مفهوم المجتمع المدني الحديث أوربّياً هو وليدُ مُدُنِ الدولة لا دولة المدينة من ناحية، وهو وليدُ طور اجتماعي حاسم في قطع مسيرة التاريخ الحضاري، لا وليد تحولات يسيرة في مسيرته؛ فمفهوم المجتمع المدني ظهر في النصف الثاني من القرن السابع عشر، على يد الفيلسوف الإنكليزي (هوبس) حين انقسم المجتمع إلى حزبين رئيسين: حزب الملك والنظام الإقطاعي والكهنوتي التقليديين، وحزب الأحرار المكوّن من البرجوازية الصاعدة في المدن، وقد حسمت المعركة لصالح الأحرار.

وتشكّل المجتمع المدني الطبقي البرجوازي الذي جعل مهمته حماية حقوق المواطنين في الحياة والملكية والمساواة أمام القانون، ثمّ اكتملت فكرة مفهوم المجتمع المدني على يد المفكر الفرنسي (جان جاك روسو) التي تضمّنها كتابه (العقد الاجتماعي ـ 1762م)، والذي كان له أثر كبير في قيام الثورة الفرنسية.

وهذا يعني أنّ منشـأ المجتمع المدني له طابع سياسيُّ في نظرته إلى الدولة والحكومة، إذ رأى فلاسفة المجتمع المدني الأوائل (هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو) أن وجود البشر في حالتهم الطبيعية يحتاج إلى تنظيم دنيوي حرّ، هو الدولة التي تُنشأ على أساس عقد اجتماعي حرّ، ينقل الناس إلى مستوى اجتماعي مدني، يتساوون فيه بالمواطنة من جهة الحقوق والواجبات، و من جهة الحرية في اختيار السلطة ومراقبتها.

لقد ارتبط مفهوم المجتمع المدني بالتحولات السياسية والاقتصادية الكبرى في أوربا، ومنها الثورة الفرنسية (1789م) التي دعت إلى الحرية والمساواة والعدالة، وتحول دولة المدن إلى دولة قومية (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا).

ويفهم من ذلك وجود علاقة وثيقة بين الدولة القومية الأوربية القوية ومجتمعها المدني؛ إذ غدت قوّة كلّ منهما قوةً للآخر، ويعني ذلك أنّ (المجتمع المدني) لم يكن تاريخياً، في نشأته على الأقلّ، مستقلاً عن الدولة، ولا عن السياسة.

لكنّ ميل السلطة في الدولة القومية الأوربية القوية إلى الاستبداد لم يتأخّر كثيراً؛ فالطبقة البرجوازية الصاعدة استطاعت بقوتها الاقتصادية أن تكون قوّة استبدادية، على نحو لا يقلّ أبداً عن استبداد الملوك وطبقة النبلاء الإقطاعيين، ولم تعد لذلك ممثلةً وحدها لقوى التغيير والتحديث في المجتمع؛ إذ برزت في قلب المجتمعات المدنية الأوربية قوى جديدة، وأصبحت الدولة الأوربية القومية دولة للقوى الاقتصادية الحاكمة والمهيمنة، أي: دولة الطبقة لا دولة المجتمع المدني كلّه.

وقد واجهت سلطات الدول أوربية القومية هذا التحدّي الذي قسم المجتمع المدني بوسيلتين رئيستين: خارجية وداخلية.

أمّا الخارجية فكانت بالتوجّه نحو الاستعمار الذي حقّق لها كثيراً من المكاسب المادية، وسمح لها بأن تستخدم تلك المكاسب للتنمية البشرية، كما أعطى الاستعمار لذوي الطموح السياسي فرصاً كثيرة لممارسة نفوذ السلطة في المستعمرات.

وأمّا الداخلية فكانت بظهور التنظيمات النقابية والسياسية، والأفكار الفلسفية التي تسعى إلى السلطة السياسية من أجل نصرة الطبقة الجديدة (العمال) على الطبقة البرجوازية المهيمنة سياسياً، والمسيطرة اقتصادياً.

ثمّ صنعت تلك التطورات انقساماً وتمايزاً ما بين الدولة (المجتمع السياسي الحاكم) والمجتمع المدني المتمثّل بمؤسساته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الكثيرة التنوّع، إلى درجة الاختلاف والتناقض، وهو ما عبرت عنه الماركسية بالتمايز ما بين البنية الفوقية، ومنها الدولة، والبنية التحتية، ومنها مؤسسات المجتمع المدني وتنظيماته، ولا سيّما التي حاملها الاجتماعي طبقي عمّالي.

إنّ فهم الماركسية أنّ الدولة هي أداة في يد الطبقة الحاكمة والمهيمنة اقتصادياً جعلها تدعو الطبقة العاملة إلى الاستيلاء على الدولة لجعلها في خدمة المجتمع المدني من جديد، فأُسِّسَتْ لذلك الأحزاب الشيوعية وتنظيماتها النقابية والشبابية المختلفة.

لكنّ انتصار تلك الأحزاب، وقيام دول البروليتاريا انتقل بالشعوب، بعد حين، إلى حالة استبداد من نوع جديد، أصبحت فيه القوى الصاعدة التي أنشأت دولة البروليتاريا بُنياتٍ فوقيةً في قلب مجتمعها المدني الحديث، فكان أن سقطت أكثر الدول البروليتارية على نحو عاصف في مطلع التسعينات من القرن العشرين، بفعل قوى مجتمع مدني جديدة، شكّلت بنياتٍ فوقية جديدة في روسية وغيرها من دول المعسكر الاشتراكي/ الشيوعي سابقاً.

إن مسيرة (المجتمع المدني) منذ نشأته في أوربا إلى يومنا هذا تدلّ على أنّ بلوغ المستوى المنشود للمواطنة والديمقراطية لا يعدو أن يكون طموحاً، تسعى الشعوب إليه، لكنّها لن تدركه أبداً؛ فالمجتمعات المدنية في حالة ولادات مستمرة للسيطرة، ولنقيضها معاً، لكنّ ما يجب أن يسجّل لتلك الولادات أنّها أنتجت دولاً قومية متماسكة، وتجارب ديمقراطية متنوّعة، ونماذج مواطنة متعدّدة أيضاً.