الاختلافات بين المؤسسة التربوية والمقاولة.. صعوبة التحكم في الإنتاج وأدواته



تنتج المقاولة أشياء مادية بينما المؤسسة التربوية تنتج إنسانا مؤهلا، لذلك فمن الطبيعي أن يختلف تطبيق منهجية الجودة في المؤسسة التربوية عنه في المقاولة.

لكن ما الفرق بين المؤسسة التربوية والمقاولة؟

يمكن تحديد الفروق الممكنة بين المؤسسة التربوية والمقاولة إذا قارنا بينهما اعتمادا على أربعة معايير هي الأهداف والمدخلات والعمليات والمخرجات.

فقياسا إلى الأهداف يمكن القول بأن هدف المقاولة هو الربح المادي الصرف على المدى القريب الذي يمكن التوصل إليه بالرفع من الإنتاجية مع تقليص الكلفة ويسهل قياس تحقق هذا الهدف ما دام الربح المادي عبارة عن أرقام تكفي عمليات حسابية بسيطة للإحاطة بها.

بينما هدف المؤسسة التربوية هو تكوين إنسان مؤهل للانخرط الفاعل والإيجابي في المجتمع وقادر على رفع تحديات المستقبل وهو هدف علاوة على أنه لا يتحقق إلا في المدى البعيد فإنه تشترك في إنجازه عدة أطراف مما يطرح صعوبة التحقيق وصعوبة القياس.

أما قياسا إلى المدخلات فالمقاولة تحدد مواصفاتها مسبقا وتستطيع أن تتحكم في جودتها إما بتشديد المراقبة عليها في بداية دورة الإنتاج أو بالتعاون مع المزودين للعمل سوية على تحسين جودتها.

بينما بالنسبة للمؤسسة التربوية فصعوبة التعامل مع المدخلات لها وجهان: فمن جهة ليس من السهل التحديد الدقيق لمواصفات المتعلمين الواردين على سلك معين من التعليم نظرا لصعوبة تحديد مواصفات الخريجين التي تبقى مرتبطة بالتوقعات المستقبلية إذ أن التربية هي صناعة المستقبل بامتياز ونظرا كذلك لصعوبة قياس هذه المواصفات سواء عند خروج المتعلم من السلك السابق أو عند دخوله للسلك الموالي.

ومن جهة أخرى حتى ولو تغلبنا على عقبة تحديد المواصفات فإن التحكم في المدخلات لن يكون بالأمر السهل بالنظر إلى عدم تطابق مستويات المتعلمين ولا خصائصهم.

أما العمليات اللازمة لتوفير المنتج في صيغته النهائية المرضية لحاجات الزبناء فإن المقاولة تتحكم فيها جيدا نظرا لأنها تتعامل مع مادة صماء يسهل التنبؤ باستجاباتها إذا تم تحديد خصائصها وهو أمر أصبح من البديهيات كما أن المقاولة أصبحت تتحكم في تقنيات الإنتاج وأدواته.

أما في المؤسسة التربوية فالمنتج (المتعلم) إنسان تدب فيه الحياة وليس من السهل التنبؤ بردود أفعاله التي تظل محكومة بالحالة التفاعلية التي تخلقها العملية التعليمية التعلمية بينه وبين المدرس وبالتالي فمواصفات العمليات المنجزة تتغير بتغير خصائص المتعلمين وتغير نوعية استجاباتهم وهو ما يجعل مسألة التحكم في هذه العمليات معقدة بعض الشيء.

أما المخرجات فواضحة بالنسبة للمقاولة لأن الزبون معروف وحاجاته محددة ومن خلال حكمه على المنتج  تستطيع أن تعرف مقدار الجودة الذي حققته.

بينما يصعب على المؤسسة التربوية التعامل مع المخرجات نظرا لتعدد الزبائن "الطلبة، أولياء الأمور، إدارة المدرسة، سوق العمل، المجتمع، الإنسانية" وتعدد الحاجات واختلافها من زبون إلى آخر حد التعارض في بعض الأحيان وهو ما يجعل عملية الحكم على جودة المخرجات غير مأمونة إذا لم يتم التوفيق بين مختلف وجهات النظر.