الفكر الفلسفي الحديث وظهور الروح العلمية الحديثة وازدهار العلوم التجريبية.. اكتشاف اللنظام الشمسي. دوران الكواكب حول الشمس بشكل بيضاوي



ظهور الروح العلمية الحديثة وازدهار العلوم التجريبية:
وتمثل ذلك في الثورة العلمية التي أحدثها العالم البولندي نيقولاوس كوبرنيقوس (1473-1543) باكتشافه للنظام الشمسي.

كان العالم قبل كوبرنيقوس يعتقد، تحت تأثير فلسفات العصور الوسطى التي كانت تعتمد على نظام بطليموس الفلكي، أن الأرض ثابتة وفي مركز الكون، والسماء بما فيها من نجوم وكواكب وشمس وقمر، تدور حولها.

لم يقتنع كوبرنيقوس بهذه الفكرة الساذجة واكتشف أن العكس هو الصحيح، أي أن الشمس ثابتة والأرض هي التي تدور حولها، وكذلك اكتشف دوران الكواكب حول الشمس، أي المجموعة الشمسية.

كان هذا الاكتشاف من العوامل التي أدت إلى فقدان الثقة بكل الفلسفات والعلوم الموروثة وخاصة فلسفة أرسطو، مما مكن الفكر الأوروبي من التحرر من ثقل تراث الماضي والبحث بنفسه عن أسرار الكون.

وبعد كوبرنيقوس جاء العالم الألماني يوهانس كبلر (1571-1630) الذي أحدث ثورة أخرى في علم الفلك والرياضيات، إذ أضاف إلى نظرية كوبرنيقوس تعديلاً هاماً يذهب إلى أن دوران الكواكب حول الشمس لا يأخذ شكل الدائرة الكاملة بل الشكل البيضاوي، كما اكتشف أن حركة الكواكب تتسارع في مداره عندما يقترب من الشمس وتتباطأ عندما يبتعد عنها، وكان هذا مما ساعد اسحق نيوتن بعد ذلك على اكتشاف القوانين العامة للجاذبية.

وكذلك اكتشف كبلر العلاقة الوثيقة بين علم الفلك والرياضيات، حيث أدرك أن الرياضيات هي أداة البحث في الفلك والفيزياء عامة.

كما أحدث العالم الإيطالي جاليليو (1564-1642) ثورة علمية أخرى عندما اكتشف العلاقة بين الكتلة والسرعة وبين الساكن والمتحرك في الأجسام في حالة الاصطدام، وظاهرة تسارع وتباطؤ السرعة، ووضع نظرياته في صورة رياضية دقيقة مما مكن العالم من اكتشاف الطابع الرياضي للقوانين الفيزيائية.

كما دافع جاليليو عن نظرية كوبرنيقوس في المجموعة الشمسية وأجرى عدداً من الملاحظات الفلكية تؤيد تلك النظرية واكتشف عدداً من أقمار كوكب المشترى.

ومن أجل تبنيه ودفاعه عن نظرية كوبرنيقوس اتهمته الكنيسة وخضع لمحكمة التفتيش وصدر في حقه حكماً بالحرق لكنه لم ينفذ، وظل جاليليو تحت الإقامة الجبرية المقيدة في منزله قرب فلورنسا، حيث فقد بصره وتوفي.

وإلى جانب الروح العلمية تطورت فنون الصناعة، ذلك لأن الحروب التي دخلتها البلدان الأوروبية آنذاك أدت إلى زيادة استخدام البارود والأسلحة النارية، مما شجع على تطور الأبحاث الكيميائية والصناعات المعدنية.

والملاحظ كيف تداخلت هذه الفنون مع تطور العلم الحديث، فعندما كان جاليليو يدرس سقوط الأجسام والعلاقة بين الكتلة والسرعة والجاذبية ضرب مثالاً شهيراً وهو قذيفة المدفع التي تأخذ مساراً منحنياً، ودرس بدقة سرعة القذيفة والعلاقة بين المنحنى والمسافة التي تقطعها.

وكان أهم اختراع في هذا العصر هو اختراع المطبعة على يد جوتنبرج. والحقيقة أن هذا الاختراع كان له أبلغ الأثر في أن يأخذ الفكر الحديث طابعاً جديداً مختلفاً عما سبقه.

إذ انتشر الكتاب المطبوع وأصبح للقراءة جمهور واسع، ولم تعد الفلسفة مقيدة بفئة محددة من المتخصصين بل أصبحت شأناً عاماً لكل المثقفين، حتى أصبحت مؤلفات الفلاسفة تقرأ من جمهور عريض مثل الأعمال الأدبية، وبذلك لم يعد الحكم على الأفكار في يد طائفة من رجال الدين أو الأكاديميين بل احتكم الفلاسفة إلى كل من له عقل سليم وفكر حر وبصيرة ذاتية، وكان هذا عاملاً على انتشار النزعات العقلانية والإنسانية في الفكر الغربي.