قضايا الحرية في شعر الصعاليك.. الحرية أهم القضايا الوجودية بالنسبة إلى الصعلوك وتتمثل بقواه الجسدية والنفسية والتحرر من الاستغلال والاستعباد والاسترقاق



إنّ مشكلة الحرّية في حياة الناس، كما يقول زكريا إبراهيم: "مشكلة الوجود الإنساني في أسره، وهي لهذا مشكلة المشاكل، وان اكتسابها لا يمكن أن يجيء الاّ ثمرة لجهاد عنيف في سبيل التحرر من نير المظاهر المختلفة كالاستغلال والاستعباد والاسترقاق، والرقيق هو إنسان حرّ، ولو كان لا يزال يرزح تحت وطأة القيود والسلاسل".

والصعاليك هم جزء من بني الإنسان امتلأت نفوسهم بازدراء المجتمع لهم، وهضم حقوقهم الذاتية والقيمية والاجتماعية.

فمشكلة حريتهم لم تنفصل عن المعاناة الداخلية والصراع الخارجي في آن واحدٍ معاً.
وهذا أبو خراش الهذلي، مثلاً، يختار الجوع القاتل على الشبع المذل، ويختار الموت الكريم على الحياة المهينة، يقول:
أردّ شجاع البطن لو تعلمينه -- وأوثر غيري من عيالـك بالطعم
مخافة أن أحيا برغم وذلـةٍ -- ولَلْموتُ خير من حياة على رغم

والحرية عند السّليك معيار الحياة الكريمة، وعدمها هو الموت، يقول:
أشابَ الرأس أني كلّ يوم -- أرى لي خالةً وسط الرجال
يشقّ عليّ أن يلقيْن ضَيْما -- ويعجزَ عن تخلّصهن مـالي

وهو في هذين البيتين لا يقصد خالاته القريبات شقيقات أمّه بالذات، ولكنه يقصد بهن عامة الجنس، فهو يصور فيهما هوان الجنس الأسود الذي تنتمي إليه خالاته.
فيكون بهذا قد وضع المرأة في مكانها الحقيقي باعتبارها النصف الآخر في بنية الحياة.

فلا يجوز مصادرة حريتها ووقوعها ضحية العوز أو السبي في قبضة الأعداء.
فهو يريد للحرية أن تترسخ وتتأصل في حياة الناس جميعاً.

وهذا تأبط شرّاً يرجح كفة الموت على كفة حياة هابطة، فقال مخاطباً آسريه:
لكم حضلة إمـا فـداء ومنـّة -- وإمّا دم والقتل بالحرّ أجدرُ

ويقف صخر الغيّ في وجه أشكال العبودية، ويصرخ بأعلى صوته:
فـلست عبـداً لمـوعــديّ -- ولا أقبل ضيما يأتي به أحد

ولما كانت الحرية أهم القضايا الوجودية بالنسبة إلى الصعلوك، فلا غنى له عن الاهتمام بإظهار الأداة التي يحقق بها حريته، وهي تتمثل بقواه الجسدية والنفسية.

ويصور لنا أبو كبير هذه الأداة [القوة] عند صاحب له قائلاً:
فإذا نظـرتَ إلى أسّــرةِ وَجْهـهِ -- برقَت ْ كبرق العارض المتهــلـّلِ
وإذا قذفت بـه الحصــاة رأيتـه -- ينـزو لوقعتهـا طمورَ الأخْبــلِ
وإذا رميـتَ بـه الفجـاجَ رأيتـَهُ -- يهوي مخارمهـا هـويّ الأجــدلِ
وإذا يهـبّ من المنـام رأيتــه -- كرُتوبِ  كعـبِ السّاق ليس بزُمّـلِ
ما أن  يمسّ الأرض الا منكـبٌ -- منه وحرفُ السـّاقِ طيِّ المحمـلِ
صعب الكريهة لا يُرام جَنابُــهُ ماضي العزيمةِ كالحُسام  المِقْصَـلِ

انّ حركات صاحبه التي تجسد قوته سريعة تتميز بالخطف، وصاحبه متوفز لاستقبال كل مفاجأة، فتراه ينزو كالصقر، يستيقظ من نومه القليل كالمذعور، تكاد قدمه لا تمسّ الأرض.

وهذه السمات تجعل وجهه الموصوف متهللاً يرف بنور، قد تعتبره بشيء من التأمل نور الحرية الذي ينبثق من استمرار الاندفاع، ومقاومة الظلم والاستعباد.


0 تعليقات:

إرسال تعليق