الجاحظ - هكذا تكون القصة.. المحافظة على أسلوب الشخصيات التي يعبر عنها الأديب أو يحاكيها



تنهال المجلدات فوق رأسه وتختلط الحروف وتتشابك الأصوات يناديه أصحابها ليذهب إليهم هناك في عالم بعيد جديد لم يره من قبل وهو الذي حاول طرق كل باب ودخل عقولا وقلوبا ونفوسا كثيرة.. صيحة أخيرة ربما انطلقت منه وربما لم يسعفه القدر لأن يصرخ بها ذاك الشيخ الذي تجاوز التسعين الغارق دائما بين كتبه لعل بعض من رآه وهو فاقد الوعي يقول وبماذا نفعته الكلمات وماذا بقي له بعد أن راح العقل في رحلة لا عودة منها.. ترى ماذا وجدوا في عقل "أينشتين" بعد وفاته.

وها هو ذا عقل الجاحظ يداهمه الصمت الأخير.. يشهد عام (255هـ) نهاية رجل نبيل عاش مع العظماء في الواقع والفكر والخيال.. تابع أخبار المهدي وشعر بالزهو في زمن الرشيد هارون وبارك خطا المأمون وهو متجه لافتتاح دار الحكمة وسمع أبا تمام وهو ينشد للمعتصم "السيف أصدق أنباء" مثلما وصل إليه صوت البحتري والعباس بن الأحنف وأبي العتاهية وأبي نواس وبشار وشهد حلقات المتكلمين والمترجمين والفقهاء والعلماء والمهندسين والأطباء.. تلك الأشباح التي عاشت في ذاكرته الممتدة المتسعة العميقة يحاورها وتحاوره فلم يشعر أبدا بوحدة وهو يحتويهم في صمته الظاهر.. يدفعهم حينا ويحتمي بهم حينا آخر حتى انهالوا جميعا على الجسد الواهن فيذهب الرجل إليهم تاركا خلفه مكتبة سردية علمية تتناول كل المعارف التي شهدها عصره وستظل تطرح نفسها على مائدة الحوار الإنساني.

عاش الجاحظ مفكرا حرا.. يبدع في الآداب والعلوم والفنون يناقش المقولات السائدة ويشارك في صياغة السرديات الثقافية للعصر الذهبي الذي صنعته الحضارة العربية الإسلامية ويضع اسمه على روائع يدرك قدرها أمناء المكتبة العالمية مثل البخلاء والحيوان والمحاسن والأضداد والبيان والتبيين ورسائل كثيرة من بينها رسالة التربيع والتدوير التي أرى أنها أول رواية فلسفية في تاريخ السرد العربي بل هي ثورة أطلقت كثيرا من المفاهيم النقدية مثل مفهوم منظور الرؤية إذ يختلف المرجع أو الحدث أو الموقف باختلاف عين الراوي وموقعه ودوافعه وغايته, كذلك مفهوم الصورة الذهنية فنحن نعيش بصور تكونها ذاكرتنا الثقافية تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين, ثم مفهوم الإدراك أو علاقة الذات بالموضوع, هذه المفاهيم عالجها الجاحظ في روايته الفلسفية الرائعة "التربيع والتدوير".

الفقرة الآتية من مفتتح هذه الرسالة، التي نستطيع قراءتها بوصفها رواية فلسفية تكشف النقص المعرفي للإنسان, يقدم لنا فيها السارد نموذجا صارخا لشخصية نراها كثيرا في كل عصر هي شخصية المدعي الذي يرى ذاته على غير حقيقتها:
"كان أحمد بن عبد الوهاب مفرط القصر ويدعي أنه مفرط الطول.. وكان مربعا ونحسبه لسعة جفرته (وسطه) واستفاضة خاصرته مدورا.. وكان جعد الأطراف.. قصير الأصابع.. وهو في ذلك يدعي السباطة والرشاقة.. وكان طويل الظهر قصير عظم الفخذ.. وهو مع قصر عظم ساقه يدعي أنه طويل الباد.. رفيع العماد.. عادي القامة.. عظيم الهامة.. قد أعطي البسطة في الجسم والسعة في العلم..وكان كبير السن.. متقادم الميلاد.. وهو يدعي أنه معتدل الشباب.. حديث الميلاد.. وكان ادعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها.. وتكلفه للإبانة عنها على قدر غباوته فيها.. وكان كثير الاعتراض.. شديد الخلاف.. كلفا بالمجاذبة.. مؤثرا للمغالبة.. مع إضلال في الحجة.. والجهل بموضع الشبهة.. والخطرفة عند قصر الزاد.. وكان لا ينطق عن فكر.. ويثق بأول خاطر.. يعد أسماء الكتب ولا يفهم معانيها.. ويحسد العلماء من غير أن يتعلم منهم بسبب.. وليس في يده من جميع الآداب إلا الانتحال لاسم الأدب.. فلما طال اصطبارنا حتى بلغ المجهود منا.. وكدنا نعتاد مذهبه ونألف سبيله.. رأيت أن أكشف قناعه.. وأبدي صفحته للحاضر والبادي."

في "البيان والتبيين" يؤسس الجاحظ للنظرية النقدية العربية فمصطلح "البيان" يعني عنده الوسائل المختلفة التي يستخدمها البشر للتعبير عن أنفسهم وإدراك ما يحيط بهم والتواصل والتفاهم والتأمل والإدراك وليست فقط اللغات اللسانية لذلك يتسع مفهوم "البيان" عند الجاحظ ليضم فنون القول والخط والإشارة والحساب والأحوال وهذا ما يضع فكر الجاحظ في دائرة علم معاصر هو "علم العلامات" أو "السيميوطيقا" التي دعا إليها كل من "سوسير" و"بيرس" فكل نظام يتواصل به البشر هو نسق من العلامات له أبجديته وعلاقاته ودلالاته وقنواته وغاياته.

أما مفهوم "التبيين" فيعد سبقا في مجال النظرية الأدبية لأن الجاحظ ينطلق في هذا المصطلح من عملية إنتاج النص أو من عملية إبداع الصياغة من جانب المرسل أو تفسير الرسالة الإبداعية من جانب المتلقي. إن أهم آراء الجاحظ في النقد العربي تتعلق بالصياغة أي بمفهوم الأدبية ولكن هذا المفهوم لا يغلق النص ويقف عند حدود تكوينه في ذاته بل يهتم اهتماما بالغا بالمتلقي فالجاحظ يرى أن البلاغة تتمثل في الاختيار من إمكانات اللغة المتعددة لأن المعاني النبيلة معروفة للناس إنما المشكلة التي يواجهها المبدع هي كيفية التعبير عن الفكرة أو المفهوم وتشكيل نصه على نحو يحقق به الجمال البلاغي الذي يجذب المتلقي إليه بعيدا عن الملل من جهة أو الغموض من جهة أخرى.

في المسألة السردية أو فيما يتعلق بالقصة يقدم الجاحظ فكرة رائدة بالنسبة لعصره فهو القائل بالمحافظة على أسلوب الشخصيات التي يعبر عنها الأديب أو يحاكيها وهذه القضية شغلت مساحة مهمة في النظرية الأدبية الحديثة وفي مجال القصة على وجه التحديد لأن الإبداع القصصي طرح على المبدعين سؤالا مهما هو هل يكتب الأديب بلغته العالية الحوار بين أبطال عالمه السردي أو يحتفظ للشخصيات بلغة تمثلها وتقدمها في هيئتها وملامحها وطباعها النفسية ومستوياتها الاجتماعية  ؟ وكان رأي الجاحظ قديما هو الاحتفاظ بلغة الحكاية بمعنى أن تكون لغة الحوار هي ذاتها لغة الشخصيات في الحياة وهذا ما يجعل الجاحظ من رواد الواقعية.

في "المحاسن والأضداد" يقدم الجاحظ خبرا يضع فيه نظرية القصة موضع التأمل فالراوي يقص ببلاغة الشعر مما يصيب المتلقي بالملل ويجعله يتدخل طالبا من القاص تغيير هذا الأسلوب فهناك فرق بين بلاغة الشعر وبلاغة القصة وهذا وعي بالغ من الجاحظ الذي أدرك هذا الفرق في القرن الثالث الهجري منذ مئات السنين والمقطع الآتي من الخبر يوضح هذه الفكرة: 
"قال الحجاج اطلبوا لي شهاب بن حرقة السعدي في الأسرى أو القتلى فوجدوه في الأسرى فلما أدخل على الحجاج قال له: من أنت؟ قال: أنا شهاب بن حرقة، قال: والله لأقتلنك،قال: ما كان الأمير بالذي يقتلني. قال: ولم؟ قال: لأن في خصالاً يرغب فيهن الأمير. قال: وما هن؟ قال: ضروب بالصفيحة، هزوم للكثيرة من الكتيبة، أحمي الجار وأذب عن الذمار وأجود على العسر من اليسر غير بطئ عن النصر.

قال الحجاج: ما أحسن هذه الخصال فأخبرني بأشد شيء مر عليك، قال: نعم أصلح الله الأمير.. بينا أنا أسير، ومركبي وثير، في عصبة من قومي، في ليلتي ويومي.. أنا المصاع فيهم، في كل ما يليهم.. حتى وردت أرضاً.. من بلد البحرين، عند طلوع العين.. حتى إذا كان السحر، من بعد ما غاب القمر، إذا أنا بعير، يقودها خفير، موقرة متاعاً، مقيلة سراعاً، فصلت بالسنان، مع سادة فتيان، فسقتها جميعاً، أحثها سريعاً.. وقد لقينا تعباً، وبعد ذاك نصباً، حتى إذا هبطنا، من بعد ما صعدنا.. وردت قصراً.. وعنده خييمة في جوفها نعيمة غزيرة كالشمس فاقت جميع الأنس فعجت مهري عندها، حتى وقفت معها، حييت ثم ردت، في لطف وحيت، فقلت يا لعوب، والطفلة العروب، هل عندكم قراء، إذ نحن بالعراء. قالت نعم برحب، في لطف وقرب، أربع هنا عتيداً، ولا تكن بعيداً، حتى يجئك عامر، مثل الهلال زاهر، فعجت عن قريب، في باطن الكثيب، حتى رأيت عامراً، يحمل ليثاً خادراً، على عتيق سابح، كمثل طود اللامح.
وكان الحجاج متكئاً فاستوى جالساً ثم قال: ويحك دعنا من السجع والرجز وخذ في الحديث.

قال: نعم أيها الأمير..
ثم نزل فربط فرسه وجمع حجارة وأوقد عليه ناراً وشق عن بطن الأسد وألقى مراقه في النار فجعلت، أصلح الله الأمير، اسمع للحم الأسد نشيشاً فقالت له نعيمة: قد جاءنا ضيف وأنت في الصيد، قال: فما فعل؟ قالت: ها هو ذاك بظهر الكثيب والخيمة، فأومأت إلي، فأتيتها.." إن "الحجاج بن يوسف الثقفي" في هذا الخبر هو المروي له الذي ضاق بأسلوب الراوي فالسجع هنا متكلف مصنوع يقف حاجزا بين المتلقي والاستمتاع بمتابعة الحدث فهو يعرقل التدفق القصصي لأن إيقاع لغة السرد غير إيقاع لغة الشعر التي يمكن أن تحتمل المحسنات والزينة الصوتية.

إن بلاغة القصة تتأسس على السلاسة والانطلاق والاقتراب من لغة الحياة اليومية وإثارة ذهن المتلقي لاستقبال مغامرة سريعة الإيقاع وهكذا يرصد الجاحظ لحظة فارقة في التاريخ البلاغي تحدد مفهوم بلاغة الحكاية في مقابل بلاغة لغة الشعر والنثر الفني وهذه الفكرة تعد اليوم بداية تأسيس أسلوبية السرد.

في "البخلاء" ينتقل الجاحظ إلى الإنسان البسيط.. الرجال الذين يملكون القليل ويخشون على ضياع الأشياء الرخيصة منهم في عالم المدينة الذي يخالف عالم البادية كل المخالفة..

المدينة عزلة ووحدة وفردية وخوف من الآخر المجهول وتمسك بما تملك والحرص في كل شيء على عكس مجتمع العربي القديم في الصحراء فقد كانت قيم الكرم والنجدة والشجاعة والجوار تفرض نفسها.. 

في المدينة تولد شخصية البخيل التي التقطها الجاحظ وروى مجموعة من الأخبار تعرض سلوكها الاجتماعي وطباعها النفسية ويمكن أن نعد هذه الأخبار قريبة من القصة القصيرة أو يمكن القول إن الأخبار التي رواها الجاحظ في البخلاء هي الفن الذي تطور ليصبح في عصرنا الحديث قصة قصيرة وأهم ما يميز مجموعة "البخلاء" تلك النظرة الواقعية التي يعبر بها الجاحظ عن أهل مدينته.. 

كان الجاحظ واقعيا ومؤسسا لبلاغة القصة ورائدا للقصة الفلسفية وهذه السمات كلها تجعلنا نضعه في مكتبة السرد بجوار نجيب محفوظ.. فالجاحظ عندما قدم لنا شخصية مثل أحمد بن عبد الوهاب في التربيع والتدوير وقف القراء أمامها بوصفها شخصية حقيقية يهجوها الجاحظ ولم يفطن كثير منهم أن الجاحظ المبدع المؤسس للرواية الفلسفية يضع أمامنا مساحة من أنفسنا التي مازالت تحتاج إلى تعليم وثقافة وإعمال للرؤية العقلية كي يتخفف الإنسان من غروره.. ونجيب محفوظ كان يجيد لعبة تحديد أنماط شخصياته لتمثل تيارات فكرية مختلفة وفي الوقت نفسه تتدفق حيوية في عالم الرواية وكأنها تحاكي شخصيات نراها في المجتمع المحيط بنا.
أ.د. سيد محمد قطب