أصل الصابئة.. الصابئة الحرانية نسبة إلى مدينة (حران) مركز الثقافة السريانية المسيحية. طوائف فلسطين الروحانية. الطائفة العرفانية العيسانية (الاسينيون) الفلسطينية



مشكلة المندائيين أنهم مثل كل الجماعات العراقية، قد فرض عليهم هذا السؤال المفتعل:

من أين أتوا؟ وهذا السؤال لا يفرض بهذا الألحاح والحدة إلاّ على الجماعات العراقية. وكأن العيش لقرون وحتى آلاف الاعوام لا تكفي لكي تنتمي الجماعة للعراق، بل عليها دائماً أن تبحث عن موطنها السابق المفترض حتى لو كانت قد هجرته قبل مليون عام! فهذه مثلاً مشكلة (أصلالسومريين) المفتعلة.

ضمن هذا السياق، فإنه كان من الإجباري البحث عن (وطن أصلي) آخر غير العراق، وقد افترض الباحثون الى أن أصل الصابئة يعود الى احتمالين:

1- الصابئة الحرانية:
نسبة إلى مدينة (حران) الواقعة شمال بلاد النهرين، وقد أصبحت جزءاً من جنوب تركيا في القرن العشرين وتقع عند الحدود مع سوريا.

وهذه المدينة معروفة تاريخياً بأنها مركز للثقافة السريانية المسيحية، وكذلك هي المدينة التي استوطنها النبي ابراهيم (ع) بعد هجرته من (اور) في طريقه الى (فلسطين).

وقد عرفت حران في العصر العباسي بـ (الصابئة الحرانيين)، وحسب (ابن النديم) بأن هؤلاء الصابئة هم في الحقيقة (كلدانيون من عبدة النجوم البابلية)، وقد ادعّوا بأنهم (صابئة) أمام الخليفة (المأمون) لكي لا يقال عنهم بأنهم زنادقة(9).

وقد دلَّت البحوث الحديثة عن وجود فوارق عديدة بين صابئة الجنوب العراقي وصابئة حران.
لكن في كل الاحوال أن هؤلاء الحرانيين كانوا (عرفانيين) لهذا فأن ادعائهم بأنهم (صابئة) لم يكن اختياراً اعتباطياً بل لأنهم كانوا فعلاً يشتركون معهم بالايمان الروحاني العرفاني وتقديس الكواكب السبعة التي كان يقدسها العراقيون القدماء.

وقد أشتهر صابئة حران بأنهم قدموا للحضارة العربية الاسلامية الكثير من الشخصيات المبدعة، مثل (الطبيب ثابت بن قرة) و(أبو إسحاق الصابي) و(البتاني) الذي سميَّ المرصد الفلكي العراقي باسمه، وغيرهم.

2- طوائف فلسطين الروحانية:
هنالك من يعتقد بأن أصل الصابئة يعود الى الطائفة العرفانية العيسانية (الاسينيون) الفلسطينية، وإنهم هاجروا منها قبل الميلاد الى جنوب العراق بسبب الاضطهاد الذي لحقهم على أيدي المؤسسة اليهودية الرسمية ومن قبل الحكام الرومان.
وقد رفض غالبية المؤرخين اعتبار هذه الطائفة من (اليهود) بل هم من الآراميين العرفانيين.

إن الخلاصة العقلانية التي يمكن بلوغها رغم كل هذه الفرضيات الخارجية، هي أن الصابئة المندائية، هم من أول الطوائف العرفانية العراقية، ولغتهم الاصلية ولغة كتبهم هي الآرامية الشرقية العراقية.

وبما أن مذهبهم يميل الى الزهد والروحانية وتقديس التعميد بالماء، فأنهم اعتزلوا المدن ولجأوا الى الاهوار حيث السلام الروحي ووفرة المياه. وغالبية تقاليدهم وطقوسهم ورموزهم المقدسة، لها أصول عراقية قديمة.