عقيدة وتاريخ العرفانية ـ الغنوصية.. الايمان بوحدانية الوجود، والتسليم بإله الخير والمحبة في ملكوت السماء والنور واعتبار الحياة الدنيا والبدن المادي ملكوت الظلام والشيطان. الافلاطونية الجديدة والهرمزية



لكي نفهم (المندائية) عقيدة وتاريخاً، علينا أن نفهم (العرفانية ـ الغنوصية) عقيدة وتاريخاً.
إن (العرفانية) بكل بساطة، هي العقيدة التي شكلت أساس الاديان (السماوية التوحيدية).

فهي تعني: الايمان بوحدانية الوجود، والتسليم بإله الخير والمحبة في ملكوت السماء والنور. واعتبار الحياة الدنيا والبدن المادي ملكوت الظلام والشيطان.
وإن الخلاص يكمن في الزهد والتقشف وكبح غرائز البدن من اجل التطهر والارتقاء بالنفس الى ملكوت النور.

بسبب تبعيتنا للتفسير الغربي (الاستشراقي) لتاريخنا، فقد تم في العصر الحديث عكس أصل (العرفانية)، بحيث اعتبرت التسمية اليونانية (الغنوصية ـ GNOSE) هي الاصل، بينما الحقيقة ان التسمية الآرامية العراقية ـ الشامية (دعيو ـ عرفان)، هي الاصل، واليونان هم الذين ترجموها، كما ترجموا فيما بعد تسمية (المسيحية).

إن المذهب العرفاني وليد الشرق العراقي الشامي المصري. وأكبر دليل على مشرقية العرفانية، إن جميع المصادر التاريخية تتفق على انه في هذه البلدان (العراق والشام ومصر) ظهرت أولى أخبار العرفانية، وفيها نمت وتنوع واغتنت وانبثقت أديانها (المندائية والمانوية والمسيحية والاسلام) ومدارسها ومبدعيها وأنبيائها.

وما المصادر اليونانية والايرانية والهندية إلاّ مكملة ومؤثرة مثل أنهار تصب في بحر عظيم. ففي القرون السابقة واللاحقة للميلاد، كان مذهب اليونان: المنطق، ومذهب الهند: الهندوسية، ومذهب ايران: الزرادشتية، وكلها صبَّت في مذهب (المشرق العراقي الشامي المصري): العرفانية.

البعض يرجع جذور العرفانية الاولى الى (نبونيد) آخر ملوك بابل (556 -539 ق.م) الذي كان روحانياً زاهداً داعياً الى عبادة إله واحد هو (سين) إله القمر وأسرار الليل ورمز الانوثة والروحانيات. وهو الذي جعل من (حران) قبلة المؤمنين.
وقد أمضى حياته معتكفاً مع أتباعه في البادية في (واحة التيماء) شمال السعودية حالياً.

إن العرفانية عقيدة انسانية روحانية حاولت أن تمزج بين العقائد والافكار الكبرى السائدة في العالم حينذاك.
فبعد سقوط آخر دولة عراقية في القرن السادس قبل الميلاد على يد الفرس، واحتلال الشام ومصر من قبل الاغريق ثم الرومان، بدأ يتغلغل في الشرق الاوسط تياران دينيان جديدان: التيار الديني الآسيوي (الهندي ـ الزرادشتي) المتضمن (عقيدة وحدة الوجود وخلود الارواح الهندوسية، وثنائية الخير والشر الزرادشتية)، ثم التيار الفكري اليوناني (علم المنطق) عن طريق اليونان أنفسهم ثم الرومان.

لقد امتزج هذان التياران الجديدان مع عقيدتي المنطقة الاصليتين: الديانة (العراقية ـ الشامية) القائمة على أساس تقديس الكواكب السبعة وانتظار المهدي المخلص (تموز) أو المسيح.

ثم الديانة (المصرية) القائمة على أساس تقديس اله واحد هو(الشمس) والايمان بيوم الحساب والخلود الآخروي وبالجنة الموعودة).

وكانت المحصلة النهائية لهذا المزيج، هو (التيار العرفاني ـ الغنوصي) الذي اعتبر أساس الديانات التوحيدية السماوية، وبالذات مذاهب الزهد الروحاني والرهبنة والتصوف.

تمثل هذا التيار العرفاني في عدة مذاهب وأديان، مثل (الافلاطونية الجديدة والهرمزية) في مصر التي كانت تميل أكثر الى المنطق الاغريقي.

كذلك (الطوائف الروحانية المختلفة منها العيسانية) في فلسطين التي كان ينتمي اليها (يوحنا المعمدان) وهي التي هيأت لانبثاق المسيحية، وربما لها علاقة مباشرة مع المندائية العراقية.

علماً أن المسيحية تمثل ذروة العرفانية، حيث اعتبر السيد المسيح روح الله الذي أتى يخصب نفوس البشر (تموز المنقذ ـ العراقي) وينقذ أرواحهم الالهية (الحلولية الآسيوية) من سجن البدن ملكوت الشيطان (الثنائية الزرادشتية) الى خلود الآخرة حيث ملكوت السماء (الآخروية المصرية).

أما في العراق فقد ظهرت العرفانية من خلال (طائفة الصابئة) التي انبثقت منها فيما بعد (المانوية البابلية).
أما بالنسبة لليهودية، فبعكس الاعتقاد السائد، فهي لم تكن في أساسها التوراتي ديانة سماوية توحيدية لأنها لم تكن عرفانية، بل اكتسبت العرفانية فيما بعد وخصوصاً مع مذهب(القبالة).

كذلك شكلت العرفانية أساس الاسلام لانه دين توحيدي سماوي، رغم الميل السائد في الاسلام الرسمي باعتبار (العرفانية) مذهب فلسفي زهدي متميز حمل مسميات عدة مثل (التصوف) و(الحلولية) و(الاشراقية) بالاضافة الى تسمية (العرفانية) السائدة في التشيع.