عوامل ظهور الرواية الفنية في مصر.. نمو الطبقة الوسطى وظهور الشعور القومي الصحوب بالرغبة قي الاستقلال بالشخصية المصرية وبالثورة على الثقافة التقليدية



الرواية الفنية أخذت في الظهور مع نمو الطبقة الوسطى في العصر الحديث بعد أن كان النظام الإقطاعي هو النظام المسيطر في عهد الاحتلال التركي ومع نمو الطبقة الوسطى ظهر الشعور القومي الذي كان مصحوباً بالرغبة في الاستقلال بالشخصية المصرية من ناحية وبالثورة على الثقافة التقليدية من الناحية الأخرى.

ولكن الظروف التي نشأت في هذه الطبقة جعلت طريقها صعباً محفوظاً بالمخاطر ولذلك فإن النجاح الفني الذي حققته كان متأثراً إلى حد كبير بهذه الصعوبات التي اعترضت طريقها والكثيرون من الروائيين والأدباء يربطون بين ظهور الرواية الفنية وبين الفكرة القومية ومحاولة الاستقلال بالشخصية المصرية والثورة على التراث القديم.

وكان نصيب الأدب من ذلك الصراع الفكري أن اتجه الناشئة من المتأدبين إلى الاستجابة لتلك الدعوى التجديدية التي تنادي بخلق أدب مصري يعب عن مشاعر مصرية وخصائص مصرية في إطار قصصي على الأسس التي استقرت تجاربها في أدب الغرب.

ولقد حاول الأدباء الكبار أن يصنعوا الفن القصصي في إطاره العربي إطار (المقامات) وما إليها كما فعل المويلحي في حديث عيسى بن هشام الذي عرف أثر الإطار القصصي الفني الحديث في وصف الشعوب وفي تصوير واقع الحياة وفي تحليل النفس البشرية ومنازعها العميقة.

ومن هنا بدأت بواكير القصة المصرية في مظهرها الفني العصريّ، وكانت أولى هذه البواكير قصة زينب للدكتور محمد حسين هيكل التي نشرها باسم (مصري فلاح) ولما اتقدت ثورة مصر الوطنية سنة 1919 وتجلى الطابع المصري متألقاً في مختلف مناحي الحياة، شرع أدب القصة الفنية الحديثة يستجيب لذلك الطابع فيتناول بالوصف والتصوير والتحليل تلك الشخصيات الشعبية الأصيلة التي صنعت الثورة وظهرت بظهورها واستمدت منها وجودها واستردت بها اعتبارها.

ويربط تيمور في حديثه بين نشأت القصة الفنية وفي محاولات الشخصية المصرية في سبيل الاستقرار و التحرر وكيف اتجهت القصة إلى الواقع المصري وإلى الطبقات الشعبية وإذا كان تيمور ويركز في حديثه عن نشأت القصة على أهمية الرغبة العامة في الاستقلال والتحرر فإن الدكتور حسين هيكل يركز على أهمية الاستقلال الفردي والذاتي للفنان.

هناك ترابط بين ظهور الرواية الفنية وبين ثورة سنة 1919 القومية ورغبة المصريين في التحرر الفردي والاستقرار بشخصيتهم، وهناك ظاهرتين أثرت تأثيرا كبيراً في الظروف التي نشأت فيها الرواية الفنية: تتصل الظاهرة الأولى بالظروف التي أحاطت ظهور الطبقة الوسطى المصرية، أما الظاهرة الثانية تتمثل في انقطاع الصلة بين مثقفينا وبين تراثنا القديم في تنفس الوقت الذي كانوا يحاولون فيه الاستقلال بالشخصية المصرية والتحرر الفردي.

وكان للظروف التي أحاطت بالطبقة الوسطى المصرية من ناحية والخضوع المباشر لتأثير الرواية الغربية من ناحية أخرى، في أن الرواد الأوائل للرواية الفنية واصطدموا بالعقبات الكثيرة في محاولاتهم خلق الرواية المصرية العصرية.

وكان من أبرز هذه العقبات عدم قدرته على الإحساس بواقعهم إحساسا كاملاً عميقاً ولذلك ظلت محاولاتهم تدور ضمن إطار ضيق هو تحليل شخصية من الشخصيات فاتجه فريق منهم إلى تحليل نموذج من النماذج البشرية في مجتمعهم، في حين عمد فريق آخر إلى تحليل أنفسهم وسنسمي إنتاج الفريق الأول بالرواية التحليلية أما إنتاج الفريق الثاني فسنسميه رواية الترجمة الذاتية ولا يعني هذا التقسيم أن كتاب رواية الترجمة الذاتية قد خلا إنتاجهم من التحليل.