أحكام الفاعل في أسلوبي المدح والذم.. اسم ظاهر مُعرف بأل أو مضاف إلى المقترن بها. ضمير مستتر مفسر بنكرة منصوبة على التمييز أو مفسر بما الموصولية



أنواع الفاعل في أسلوبي المدح والذم:

فاعلُ أفعالِ المدح والذم نوعانِ:

الأوَّل: اسمٌ ظاهرٌ مُعرَّفٌ بأل الجِنسيَّةِ، التي تُفيد الاستغراق:

(أي: شُمولَ الجنس) حقيقةً، أو اسمٌ مُضافٌ إلى ما اقترنَ بها، أو مُضافٌ إلى اسمٍ أضيفَ إلى مُقترنٍ بها.
فالأولُ نحوُ: "نِعْمَ التلميذُ زهيرٌ" و "بئسَ الشراب الخمرُ". والثاني، نحو: {وَلنِعْمَ دارُ المتَّقِينَ}، و {بِئسَ مثوى المُتكبِّرينَ}. والثالثُ، نحو: "نِعمَ حكيمُ شُعراءِ الجاهليةِ زهيرٌ"، ومنه قول الشاعر:
فنِعْمَ ابنُ أُختِ الْقومِ، غَيرَ مُكذِّبٍ -- زُهَيْرٌ، حُسامٌ مُفْرَدٌ من حمائِلِ

(والحق أن (أل)، التي تسبق فاعل هذه الأفعال، للجنس على سبيل الاستغراق حقيقة، كما قدّمنا. فهي مفيدة للاحاطة والشمول حقيقة لا مجازاً، فيكون الجنس كله ممدوحاً أو مذموماً، والمخصوص مندرج تحت الجنس، فيشمله المدح أو الذم. فاذا قلت: "نعم الرجل زهير" فالمدح قد وقع أولا على جنس الرجل كله على سبيل الشمول حقيقة. ثم على سبل المخصوص بالمدح، وهو زهير، فيكون المخصوص قد مدح مرتين: مرة مع غيره، لدخوله في عموم الجنس، لأنه فرد من افراد ذلك الجنس، ومرة على سبيل التخصيص، لأنه قد خص بالذكر، ولذلك يسمى المخصوص.
والغرض من جعلها للاستغراق والشمول على سبيل الحقيقة هو المبالغة في اثبات المدح للمدوح "الذم للمذموم، بجعلك المدح والذم للجنس، الذي هو المخصوص فرد منه. ثم يأتي المخصوص مبيناً المدار من الاجمال في مدح الجنس على سبيل الحقيقة.

ولك أن تجعل (أل) هذه للاستغراق لا على سبيل الحقيقة. بل على سبيل المجاز. مدعياً أن هذا المخصوص هو جميع الجنس لجمعه ما تفرَّق في غيره من الكمالات أو النقائص فان قلت: "نعم الرجل زهير"، فقد جعلت زهيراً هو جميع الجنس مبالغة، لاستغراقه جميع كمالاته، ولم تقصد من ذلك الا مدحه. ونظير ذلك أن تقول: "أنت الرجل"، أي اجتمعت فيك كل صفات الرجال).
وقد يقومُ الاسمُ الموصولُ، إذا اريدَ به الجنسُ لا العَهدُ مَقام المُعرَّف بألِّ الجنسيَّةِ، فيكون فاعلا لهذه الأفعال، كما تكون هي، نحو: "نِعْم الذي يفعلُ الخيرَ زهيرٌ" و "بِئسَ من يخون أمتهُ فُلانٌ".
(فإن الاسم الموصول، اذا لم يرد به المهد، بل اريد به العموم، أشبه المقترن بأل الجنسية فيصحُ أن تسند إليه هذه الأفعال، كما تسند إلى المقترن بأل الجنسية).

الثاني: أن يكون فاعلُها ضميراً مستتراً مُفَسّراً بنكرةٍ منصوبة على التَّمييز:

وتكون واجبةِ التأخير عن الفعل والتقديمِ على الممدوح أو المذموْم، مطابقةٍ لهما إفراداً وتَثنيةً وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً. ويأتي بعد ذلك المخصوص بالمدح أو الذَّم مرفوعاً على الابتداء، والجملةُ قبلَه خبرُهُ، نحو: "نِعْمَ رجلاً زهيرٌ".
والتمييزُ هنا مُحَموَّلٌ عن فاعلٍ مُقترنٍ بِـ (ألْ)، لذا يجوز تحويلُه إلى فاعلٍ مُقترنٍ بها، فتقول: "نعم الرجلُ زهيرٌ".
وقد تكون النكرةُ كلمة (ما) - التي هي اسمٌ نكرة بمعنى "شيء" - فتكون فى موضع نصبٍ معلى التمييز، على ما اختارَهُ المُحققون من النُّحاة. وهو أقربُ الأقوال فيها. سَواءٌ أتُليتْ باسمٍ، نحو: "نِعمَّا التَّقوى، ومنه قولُه تعالى: {إن تبدوا الصَّدقاتِ فَنعما هي}، أم تُليت بجملةٍ فعليَّةٍ، كقوله تعالى: {نِعِمًّا يَعظُكم به}" أم لم تُتْلى بشيءٍ نحو: "أكرمته إكراماً".

أحكام الفاعل الضمير:

ومتى كان فاعلها ضميراً وجبَ فيه ثلاثةُ أشياء:

- الأول والثاني: إفرادُه وأستتارُه:

فلا يجوز إبرازُه في تثنيةٍ ولا جمع، استغناءً عنه بتثنية تمييزه أو جمعه، سواءٌ أتأخرَ المخصوصُ أم تقدَّم. فلا يقالُ: "نِعما رجلين خالدٌ وسعيدٌ"، ولا "خالدٌ وسعيدٌ نِعما رجلين".

- الثالث: وجوبُ أن يُفسّرَهُ اسمٌ نكرةٌ يُذكرُ بعده منصوباً على التمييز كما قدَّمنا.

وإذا كان الفاعلُ مُؤنثاً جازَ أن تلحقَ الفعلَ تاءُ التأنيث، سواءٌ أكان مُظهَراً، نحو: "نِعْمت المرأةُ فاطمةُ"، وجاز أن لا تلحقه هذه التاءُ استغناء عنها بتأنيث التمييز المُفسّر، ذَهاباً إلى أن هذه الأفعالَ لما أشبهت الحرفَ في الجمود لزِمت طريقة واحدةً في التعبير، فتقول: "نعمَ المرأةُ فاطمةُ، ونعمَ امرأةً فاطمةُ.

ومنه قول الشاعر:
تَقولُ عِرسِي، وهي لي عَوَمَرهْ: + بِئس امرَأ، وإِنَّني بِئسَ المَرَهْ

وقول الآخر:
نِعْمَ الْفتاةُ فَتاةً هِنْدُ، لَوْ بَذَلتْ + رَدَّ التَّحِيةِ نُطْقاً، أو بإِيماءِ

وكذا، إذا كان المخصوصُ مؤنثاً، يجوز تذكير الفعلِ وتأنيثُهُ، وإن كان الفاعلُ مُذكراً، فتقولُ: "بِئْسَ أو بِئستِ الشَّرابُ الخمرُ" و "نِعمَ أو نِعمت الثْوابُ الجنّةُ، وعليه قول الشاعر:
نِعْمَتْ جزاءُ المُتَّقينَ الجنَّهْ + دارُ الأَمانِ والمُنى والمِنَّهْ