الاختلاف بين المتعاقدين في رد العين المودعة.. إذا دفعها المودِع إلى المودَع ببينة لم تقبل دعوى الرد إلا ببينة وإلا فيقبل قول المودَع بيمينه



سبب الاختلاف قد يكون نسيان أحدهما، أو إرادته أكل مال صاحبه، أو الإضرار به، أو غير ذلك.
فإذا اختلف المتعاقدان في رد العين المودعة، فإن العلماء اختلفوا فيمن يقبل قوله منهما على قولين:

- القول الأول:
أن القول قول المودَع بيمينه.
وهو قول المالكية والحنفية والشافعية والمشهور عند الحنابلة.

أدلتهم:
- الدليل الأول:
قولـه تعـالى: (فليؤد الذي أؤتمن أمانته) أمره بالرد بلا إشهـاد، فدل على أن قوله مقبول، لأنه لو لم يكن كذلك لأرشد إليكما في قـوله تعالى: (فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم)، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

- الدليل الثاني:
أنه لا منفعة له في قبضها فقبل قوله بغير بينة كما لو أودع بغير بينة.

ويناقش هذا الاستدلال:
بعدم التسليم بأنه لا منفعة له في قبضها، فقد يجحدها يريد أكلها بالباطل، أو يريد الإضرار بمالكها.

والقياس على الإيداع بغير بينة، يناقش: بأن القبض ببينة حاث على الإشهاد عند الدفع في مجرى العادة، فلما خولفت العادة أتهم، بخلاف القبض بغير بينة فلا ضرورة تدعو للإشهاد.

ويجاب:
بأنه إذا لم تكن هناك عادة بالإشهاد عند الدفع ، فلا شك أن القول سيكون قول المودَع بيمينه فكذلك إذا كان الدفع بلا بينة، فالعادات تختلف من بلد إلى بلد، وإذا وجدت العادات فهي محكمة.

- الدليل الثالث:
أنه ائتمنه والقول قول الأمين مع اليمين لإنكاره السبب الموجب للضمان وإخباره بما هو مسلط عليه وهو رد الوديعة على صاحبها والمودِع هو الذي سلطه على ذلك، فيجعل قوله كقول المسلِّط إلا أنه يستحلف لنفي التهمة.

- الدليل الرابع:
أنه غير ضامن ابتدائاً عند القبض، فلا يضمن إنتهاءاً عملاً بالاستصحاب.

ونوقش:
بأن الاستصحاب معارض بالتهمة الناشئة عن مخالفة العادة.

ويجاب:
بأن العادة إذا وجدت فهي محكمة، أما إذا لم توجـد فإنه يكون غير ضامن.
الدليل الخامس: أنه لو لم يقبل قوله لامتنع الناس من قبول هذه الأمانات، فيلحق الناس الضرر.

- القول الثاني:
أنه إذا دفعها المودِع إلى المودَع ببينة لم تقبل دعوى الرد إلا ببينة، وإلا فيقبل قول المودَع بيمينه.
وهو قول عند المالكية، والحنابلة.

أدلتهم:
- الدليل الأول:
أن الأصل عدم الرد.

- الدليل الثاني:
أنه إذا لم يشهد عليه فقد رضي بأمانته فقبل قوله عليه، فإذا أشهد عليه فإنه لم يرض بأمانته فلم يقبل قوله عليه.
مناقشة هذا الدليل:

ونوقش بأنه فاسد من وجهين:
- أحدهما:
أنه لما كان قوله في التلف مقبولاً مع الشهادة وعدمها، وجب أن يكون قوله في الرد مقبولاً مع الشهادة وعدمها.

- والثاني:
أنه لما كان قول الوكيل مقبولاً في الحالين، وقول المقرض والمستعير في الرد غير مقبول في الحالين، كان المستودع ملحقاً بأحد الأصلين في أن يكون قوله في الرد مقبولاً في الحالين أو مردوداً في الحالين، فلما كان في أحد الحالين مقبولاً وجب أن يكون في الآخر مقبولاً.
وأجابوا عن الوجه الأول:
بأن التلف لا يمكن الإشهاد عليه.

- الدليل الثالث:
أن رب المال لم يرض بأمانته على التجريد، وإنما رضي بها في الحفظ دون القبـض لأنه توثق منه بما أشهـد عليه حين قبضها فوجب الضمان وإلا لم ينتفع بالإشهاد بها، ولا يلزم عليه التلف لأن لا يمكن الإشهاد عليه.

منا قشة هذا الدليل:
بأنه ما الفائدة من الإشهاد إذا كان يقبل قوله في التلف بلا بينة؟

فأجابوا:
بأن فائدته أن لا يمكنه جحد الوديعة.

ونوقشوا:
فإن دعوى ردها بمنزلة جحدها، فهو يتوصل إلى مراده.

- الدليل الرابع:
أن الغالب أن من شهد عليه بشيء أنه يجتهد في دفع تلك الشهادة عنه بما يدفعها، بحيث إن لم يفعل ذلك تعينت التهمة الموجبة للضمان.

الترجيح:
الراجح هو قبول قول المودَع بيمينه سواء كان القبول ببينة أو لا، إلا إذا شهدت العادة بأنه إذا أخذت البينة عند القبض فلا ترد إلا ببينة، فيكون المقصود من البينة هنا التوثق من الرد.

وهذا جمع بين القولين، ومراعاة لعادات كل بلد، لأن الإشهاد قد يكون لأمر غير التهمة كحفظ الوديعة عند موت أحدهما، أو لطول مدة الاستيداع مخافة النسيان، أو لغير ذلك، والله أعلم.