الاختلاف بين المتعاقدين في تلف العين المودعة.. المودَع أمين يصدق بيمينه في التلف بغير سبب ظاهر كحريق ونحوه إلا مع بينة تشهد بوجوده ويكفي في إثبات السبب الظاهر الاستفاضة



إذا اختلف المتعاقدان في تلف العين المودعة، وادعى المودَع أنها تلفت بلا تعد ولا تفريـط منه، وادعى المودِع أن عليه الضمان أو أنه تعدى وفرط فيضمن.
فهنا اختلف العلماء فيمن يقبل قوله على قولين:

- القول الأول:
أن المودَع أمين يصدق بيمينه في التلف بغير سبب ظاهر كحريق ونحوه إلا مع بينة تشهد بوجوده، ويكفي في إثبات السبب الظاهر الاستفاضة.
وهو قول المالكية، والحنفية، والشافعية، والمشهورعند الحنابلة.
وفي قول عند الحنابلة يصدق بلا يمين.

والأدلة على ذلك:
- الدليل الأول:
ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس على المستودع غير المغل ضمان".

- الدليل الثاني:
أن المستودَع مؤتمن فلا يضمن ما تلف من غير تعدية وتفريطه  كالذي ذهب مع ماله.

- الدليل الثالث:
أن الله تعالى سماها أمانة، والضمان ينافي الأمانة.

- الدليل الرابع:
أنه إذا حفظها ولم يتعد ولم يفرط، فقد أحسن والله تعالى يقول: (ما على المحسنين من سبيل).

- الدليل الخامس:
أن المالك يدعي على الأمين أمراً عارضاً وهو التعدي، والمودع مستصحب لحال الأمانة، فكان متمسكاً بالأصل، فكان القول قولـه لكن مع اليمين لأن التهمة قائمـة فيستحلف دفعاً للتهمة.

- الدليل السادس:
تعذر إقامة البينة على السبب الخفي، فلو لم يقبل قوله فيه لامتنع الناس من قبول الأمانات مع الحاجة إليه.

وفي السبب الخفي يصدق قوله مع يمينه ؛ لأنه قد ائتمنه فليصدقه.
وأما السبب الظاهر فإنه لا تتعذر إقامة البينة عليه، لأن إقامة البينـة عليه سهل، والأصل عدمه.

اعترض على هذا القول باعتراض:
وهو حديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، وهو يدل على ضمان الوديعة إذا تلفت, وهو لفظ عام.

والجواب:
(ما) تدل على العموم ,وتخص بالادلة السابقة على كون المودع غير ضامن لأنه أمين, فالظاهر أن المراد على اليد حفظ ما أخذت حتى تؤديه ، وذلك إنما يكون في الباقي وليس فيه دليل على ضمان التالف.

والقول الثاني:
أنه إن ذهبت الوديعة من بين ماله غرمها، وإلا لم يضمن إلا بتعد أو تفريط.
وهو رواية عن الإمام أحمد.

والدليل على ذلك:
ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه ضمن أنس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله.

وأجيب عن هذا الأثر:
بأنه محمول على التفريـط من أنس في حفظها، فأما إن تعدى المستودع فيها ، أو فرط في حفظها فتلفت، ضمنها، لأنه متلف لمال غيره فضمنه كما لو أتلفه من غير استيداع.

الترجيح:
الراجح - والله أعلم - هو القول الأول وهو أن القول قول المودَع بيمينه، لقوة أدلتهم، ومناقشة دليل خصمهم، ولأن في القول بتضمين المودَع إغلاق لهذا الباب. وتضييق على الناس في حفظ أموالهم، لأن الأمناء سيمتنعون من قبولها وذلك مناف للتيسير المقصود من هذا الباب.