اعتراض المحدثين على تأخر ظهور الشعر في الجاهلية.. نضج البنية اللغوية والصفات الفينولوجية والبنية الأسلوبية للغة الشعر والنثر الجاهليين



أثار الباحثون المعاصرون جملة اعتراضات على تأخر ظهور الشعر في الجاهلية، لأن الشعر الجاهليّ الذي في حوزتنا بعضه الآن بلغ مرحلة ناضجة مكتملة من الوزن والتعبير والتركيب والبلاغة والأداء.

يقول جويدي: "إن قصائد القرن السادس الميلادي جديرة بالإعجاب، وتنبئ بأنها ثمرة صناعة طويلة. فان ما فيها من كثرة القواعد والأصول في لغتها، ونحوها، وتراكيبها، وأوزانها، يجعل الباحث يؤمن بأنه لم تستو لها تلك الصورةُ الاّ بعد جهود عنيفة، بذلها الشعراء في صناعتها. وإن في موسيقا الشعر ما يفسر بعض هذه الجهود..".

ويرى حسين مروّة أنه لا يجوز لنا أن نظُن أن البنيةَ اللغويةَ، والصفاتِ الفينولوجيةَ، والبنيةَ الأسلوبيةَ للغة الشعر والنثر الجاهليّين في القرنين الخامس والسادس للميلاد ولدت كلّها من البداية في هذين القرنين: لقد ظهر الإسلام في شبه الجزيرة فوجد اللغة المعبرة عن دعوته بمبادئها، وتفسيراتها للعالم، وتشريعاتها، حاضرة وقادرة على أداء كل ذلك. سواء بدلالاتها السابقة المباشرة، أم بالدلالات الجديدة غير المباشرة، مما حملت من مبادئ وعقائد وتشريعات: أي أنه وجد أداته اللغوية والبيانية الناضجة، لا للتعبير عن الظروف التاريخية الناضجة لظهوره فحسب، بل للتعبير عن احتمالات الظروف التاريخية الآتية بعد ظهوره كذلك".

فاستواء الشكل الفني، والصنعة الدقيقة لهذا الشعر يثبتان أن هناك مراحل أكثر تقدماً سبقت عصر امرئ القيس ومهلهل، وهي مراحل نما فيها الشعر، وتطـور مـن صورتـه الأولى (الرجز او الحداء) حتى وصل إلى هذا المستوى المكتمل عند أقدم شاعرين، وصل إلينا شعرهما.

يقول كارل نالينو: "إن مَنْ يسرّح أبصاره في رياض الشعر الجاهليّ لا يجد في شذراته التي نجت من أيدي الضياع ما يدلّ على كونه فناً صغير السنّ، فان جميع ما نقل الينا منه يظهر لنا في غاية الاتقان وزناً، وتقفية، وفي نهاية التفننّ.. وليس من الممكن مثل هذا الكمال في صناعة حديثة، لأن من المعلوم أن كل مبتدئ لشيء لم يسبق إليه، وكل مبتدع لأمر لم يتقدم فيه عليه، لا بد أن يكون قليلاً ثم يكثر، وصغيراً ثم يكبر.. وخلاصة الأمر أن العلماء من العرب الذين قالوا مدة مئة وخمسين سنة تقريباً للشعر الجاهليّ يبعدون عن الصواب، إذا فرضنا أنهم أرادوا بذلك ما وصل إلينا من الأشعار القديمة ".

 أما د. عمر فروّخ فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، فرأى أن الشعر الجاهليّ ليس وليد مئتي سنة قبل الهجرة، ولا ألف سنة ايضاً، بل انه قديم جداً.

ويرى أن الشعر الذي وصل الينا "من الجاهليّة يمثل دوراً راقياً، لا يمكن أن يكون قد بلغ إليه في أقلّ من ألف سنة على الأقل".

وراح هؤلاء الباحثون المعاصرون وغيرهم يبحثون عن أصول الشعر في السّجع، أو الحداء، أو الغناء، والرجز، ونحن لا نريد أن نناقش هذه الاعتراضات، ولكن لنا أن نطمئن إلى أن العلماء الذين قرروا هذه الحقيقة أقرب الباحثين إلى العصر الجاهليّ، فهم أدرى بما يتحدثون عنه، وأنهم احتاطوا لأنفسهم، حين توخّوْا الدقة العلمية، فقرروا أنهم يتحدثون عن أولية القصيدة، لا أولية الشعر العربي.

فضلاً عن أن العلماء الذين عاصروهم حاولوا ان يفوزوا بما يغير من الحقيقة، أو يعدّلها، فانتهى تنقيرهم إلى أسماء شعراء أسبقَ من مهلهل وامرئ القيس، لم تحتفظ ذاكرة الرواة الاّ بأبيات لكل منهم، قالها في حادثة، فكانت نتيجة ذلك كله دعم موقف ابن سلام، ومَنْ تابعه من العلماء.


0 تعليقات:

إرسال تعليق