مبدأ البحث عن الذاتية في القراءة والتعبير.. إيقاظ الرغبة في القراءة والكتابة عند المتعلم يتطلب البحث عن إمكانية تعبيئ وتقوية وتعزيز جميع مصادر المعرفة عنده



كيفما كانت العناية التي نوليها لعملية تعلم القراءة والتعبير، ومواجهة مشاكلها، وتقديم الوسائل المساعدة على تجاوزها، فإنه لا يمكن تحقيق نتائج مرضية إذا لم نقدم للتلميذ ما يثير رغبته الحية والذاتية لاختيار المقروء الذي يوافق عقليته وتطلعاته واهتماماته، وإذا لم نفسح له المجال كذلك للتعبير عن أفكاره الأصيلة التي يحتاجها في التواصل الحقيقي والوظيفي مع الآخرين.

يتعين إذن أن ننتقي له ما يتمشى مع اهتماماته في مجال القراءة والتعبير، وألا نطلب منه أن يكتب إلا عما يعرفه جيدا، ويثير اهتمامه، أو ما يمسه شخصيا، أي التجارب الحياتية للتلميذ:
المدرسية، والأسرية، والاجتماعية، مع التصرف بدراية بطبيعة الحال، وفتح المجال له لاستعمال ما يتوفر عليه من مكتسبات المواد التعليمية الأخرى: العلمية، والتاريخية، والفنية والتربوية وغيرها؛ والحرص على إثارة انتباهه وردود أفعاله النشيطة تجاه المجتمع والبيئة، من خلال استغلال كل معارفه عن الشارع، والصحافة، والوسائل السمعية البصرية، وما إليها.

إن إيقاظ الرغبة في القراءة والكتابة عند المتعلم، يتطلب البحث عن إمكانية تعبيئ وتقوية وتعزيز جميع مصادر المعرفة عنده: مفهومة للواقع، وكيفية إدراكه، ثم خياله وأحاسيسه ونزعته إلى الحركة، ورغبته في العمل أو اللعب، وفضوله المعرفي... إلخ.

ولا ينبغي في عصرنا هذا التغاضي عن وسائل التواصل والإعلام، لحضورها القوي في حياتنا اليومية، وإيحاءاتها المتعددة بواسطة الصورة والصوت. فينبغي تعلم كيفية التعامل معها ودراستها باعتبارها من الوثائق المهمة، أو شرح وتوضيح ما تثيره من انفعالات عاطفية أو فنية، والتعرف على كيفية التعبير عنها.

إن المبادئ المشار إليها لا يمكن أن توضع بطريقة اعتباطية، فلا بد لها من سند يوجهها. ومؤسسة تؤطرها وترعاها بالتطوير والتعديل، فماذا يمكن اقتراحه في هذا الإطار؟

هناك طريقتان ممكنتان:

الأولى:
استدعاء المتخصصين في العلوم التربوية، والمنظرين الفاعلين في مجال تعلم القراءة والكتابة.

ولكن التجربة أثبتت أن اختلاف تصوراتهم البيداغوجية كبيرة وعميقة جدا إلى درجة لا يمكن معها الوصول إلى نتيجة مرضية.

ولتجاوز هذا الإشكال يقترح الميثاق "إحداث لجنة دائمة للتجديد والملاءمة المستمرين للبرامج والمناهج، وسيناط بهذه اللجنة الدائمة ذات الاستقلالية المعنوية على الخصوص، تخطيط أشغال مجموعات عمل تشكل خصيصا لهذه المهمة، ويسهم فيها متخصصون في التربية والتكوين، وذوو الخبرة في مختلف التخصصات والشعب والقطاعات".

الثانية:
وربما هي الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق، تتجلى في مطالبة المدرسين أنفسهم بمن فيهم الذين يزاولون في الأقسام الابتدائية والإعدادية والثانوية، بالتعبير عن آرائهم في الموضوع ومطالبتهم بتحديد المشاكل التي يواجهونها في نظرهم، مما يؤدي إلى رسوب الكثير من التلاميذ وفشلهم الدراسي.

ويمكن انطلاقا من تجاربهم وضع لائحة للمشاكل الملموسة التي واجهت كل المدرسين مهما اختلفت المناهج التي اختاروها في عملهم.
وربما يتجلى في هذه النقطة الأخيرة عمق المشكل وأساسه: فهناك العشرات من المناهج المختلفة في التدريس مما ينتج عنها مشاكل لا حصر لها، تظهر بالخصوص في اضطرار التلاميذ للمرور من مناهج مختلفة وأحيانا متناقضة، مما يجعلهم يتيهون كليا في توجهاتهم الدراسية.

إذن، من الضروري التخلي عن مثل هذه الاختلافات في التعليم، وتحديد اتجاه واضح لما ينبغي أن تكون له الأسبقية في التعلم مهما اختلف المنهج المطبق، مع تركيز الجهود على بعض الثوابت الحاسمة والأساسية كما ينبغي قبل كل شيء، الإعلان عن الأهداف المتوخاة بتسلسل ووضوح.

إن الثقافة التي يكتسبها الطفل في المدرسة تتميز بخاصية لا تعوض: فهي لا تختلط مع الثقافة اليومية، ولا ثقافة الآباء وثقافة وسائل الإعلام، فهناك العديد من المحتويات الدراسية والمعلومات لا يمكن للمرء أن يكتسبها إلا في إطار المدرسة، فهي وحدها التي تتكفل بتلقينها، وتبقى من المرجعيات التي يعتمد عليها الفرد في عملية اكتسابه لمعارف أخرى أو فهمها.

ويمكن بطبيعة الحال مناقشة محتويات المعلومات المقررة، وإعادة النظر فيها وتعديلها، أو استبدالها بغيرها من المحتويات الأكثر صلاحية وشرعية، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نلغيها كلية لصالح المعلومات المكتسبة من المجتمع أو وسائل الإعلام مثلا.

إلا أن المعارف المدرسية تمر من أزمة حقيقية نتيجة التغييرات التي حصلت في مختلف ميادين المعرفة الإنسانية، ولم تستطع الكتب المدرسية المقررة، والمعارف الملقنة في المدارس أن تواكبها، مما أدى إلى ظهور جدل حاد ومحتد في الموضوع، وظهرت آراء تدعو إلى ضرورة تفتح المدرسة على الحياة المعاصرة، والتركيز على الطفل كما هو، والأخذ بعين الاعتبار مصالحه.

ويتم التنصيص في هذا الإطار ومن خلال هذا المنظور على أولوية المناهج البيداغوجية الحديثة في تبني المحتويات الحديثة، والتفكير في المعارف والمعلومات المقررة، وضرورة إدخال ثقافة حية إلى حرم المؤسسات التعليمية، لها علاقة بالوسائل السمعية البصرية وغيرها من الوسائل التقنية الحديثة، وطرح أسئلة في مدى مشروعية المعارف والمحتويات الملقنة حاليا في المدارس، ومدى مواكبتها للعصر.