بين فضاء اللغة وفضاء العالم.. صعوبة إدراك الفضاءات والعوالم النائية والمتباعدة مكانيا وزمانيا عن عالم المتلقي



حينما يجلس قارئٌ اليوم في بدايات القرن الحادي والعشرين على مكتبه الكائن في بقعة مكانية ما؛ هنا في الوطن العربي، أو حتى خارجه، ليتصفح ذلك الكتاب ذا الصفحات السبعمائة، المعنون اختصاراً برحلة ابن بطوطة، فإنه لا شك سيتولد في ذهنه تساؤل بديهي، مشوب بالتعجب، عن كيفية تمكنه بوصفه قارئا من إدراك تلك الفضاءات والعوالم النائية والمتباعدة مكانيا وزمانيا عن عالمه!

وحينما ينتهي هذا القارئ –أو يقارب على الانتهاء- من قراءة الرحلة فإنه سيجد أن حدة التساؤل قد انخفضت، وازداد في مقابلها الإحساس بالعجب والاندهاش من قدرة اللغة؛ ذلك الكائن الصوتي –ثم الكتابي– الأملس، الذي يتمكن من نقل فضاءات العالم، الواقعي منه والمتخيل، مهما ابتعدت عن فضاء المتلقي ومحيطه البيئي والاجتماعي، نقلاً يشعر معه المتلقي بالتماهي، وربما حتى بامتلاك المكان على حد تعبير باشلار.

ليس هناك من شك في أن نص رحلة ابن بطوطة –وهكذا حال نصوص الرحلة عامة– يقوم في الأساس على علاقة إنتاج وتلق لمعطيات عوالم واقعية –أو متخيَّلَة بناء على معطيات يُفترض مرجعيتها– بين الرحالة الذي انفرد باختبارها ومعالجتها بفعل السفر إليها والتجوال فيها أو تخيلها، والمتلقي الذي يقبل في شوق وتلهف لرؤية هذه العوالم التي عجز هو عن اختبارها بذاته، والتعرف عليها.

إننا إذا أمام أضلاع ثلاثة يتخلق حولها فعل السرد، وهذه الأضلاع هي:

- العالم الواقعي، الذي يمتح منه الرحالة مادته الحكائية، بما في ذلك ما قد ينسج حول هذا العالم من عناصر خيالية موازية.

- الرحـالة، الذي يسعى إلى نقل هذا العالم وتصويره.

- القـارئ، الذي تفصله عن العنصرين السابقين مساحات ومسافات زمانية أو مكانية (أو زمكانية معاً) ويدفعه فضول فطرى إلى التعرف على ذلك العالم السالف ذكره.

إن وجود هذه العناصر الثلاثة السابقة بدوافعها ومدلولاتها يستوجب فضاءً وسيطا يتم عبره تداول الموضوع بعناصره ودلالاته المكانية بين ذاتَي المؤلف والمتلقي (مستمعاً أو قارئاً)، ولن يكون ذلك سوى عن طريق فضاء اللغة -بمستوييه المنطوق والمكتوب– الذي هو أداة التواصل التي أجادها وتميز بها بنو الإنسان.

لجأ "ابن بطوطة" بالفعل إلى هذا الفضاء حينما حرَّكته الرغبة الداخلية في التواصل مع جمهور المستمعين الذين تحلقوا حوله بفضول ورغبة مساوية وموازية لرغبة الرحالة في الحكي. وبالفعل تم التواصل شفاهة، ولكن أثر هذا الفضاء اللغوي الوسيط (الحكي الشفهي) كان يتلاشى، أو يوشك على التلاشي بمجرد أن ينهي "ابن بطوطة" حكيه.

حينما أدرك "ابن بطوطة" هذه الحقيقة، وبتحفيز من السلطة الخارجية (المتمثلة في السلطان أبى عنان) لجأ إلى المستوى الثاني لاستخدام اللغة، وهو مستوى اللغة المكتوبة، وسيطا بينه وبين عالم الحكي من ناحية، وبينه وبين القارئ من ناحية أخرى.