التراث - التواصل السلبي.. الإيجابية المقدسة والسكونية القاتلة. محفوظات نقلية يفرضها المنهج الدراسي. القطيعة مع التراث جملة وتفصيلا. التعامل مع الموروث من خلال الانتقاء



إن الموضوعية تحتم علينا أن نقول إن تداخل المثقف العربي المعاصر ومنه الجزائري مع التراث قد تم في إطار منهج مشوش مضطرب تحكمه مرجعيات فكرية وأيديولوجية مسبقة تفرض تعاملها مع التراث من خلال إملاءات مسبقة، والمرجعيات هذه نعتبرها الأساس بتناقضاتها اللامعقولة أحيانا في صنع اللاوعي الذي شكل المرجعية الكبرى للشعر عندنا وفيما يلي قراءة سريعة لهذه المرجعيات:

1- مرجعية تتعامل مع التراث بشيء من التقديس حيث يرى أهلها أن كل التراث إنما هو مفيد ولا يجوز للخلف أن يتنازل عنه، ولايخفى على القارىء الموضوعي ما في هذا الرأي من أخطاء تجسدها تلك الرداءة التي نقرأها في بعض مانرث، والتي يضفي عليها هؤلاء صفة الإيجابية المقدسة التي هي في الحقيقة سكونية قاتلة، ولبنة جوفاء لاسبيل إلى مكوثها في ضمير الإنسان ناهيك عن أن تقدم دعما فنيا لإبداع نريده أصيلا وإيجابيا.

2- مرجعية يجسدها جملة من الدارسين الذين يرمون بمتلقيهم في قراءة كمية للتراث ولهؤلاء سلبياتهم التي لا حصر لها ومنها اعتمادهم على الترديد والسكون، فالتراث عندهم محفوظات نقلية يقبل عليها المتلقي لأنها معلومات فرضها المنهج الدراسي الذي لايراعي إلا الجانب التأريخي من تراثنا، وقد امتدت هذه السلبية إلى قطاع كبير من المؤسسات الثقافية التي غدت الأساس للرؤى والمواقف.

والمؤسف أن يغيب عن هؤلاء أن التراث ليس سوى نقطة ارتكاز أو نقطة بدء، والوقوف عنده أو حصر الجهد في دائرته قصور وخيانة لهذا التراث نفسه وكسل عقلي لا يغتفر.

إن عناصر كالكشف والتحليل والسؤال غائبة عند هؤلاء وإن الدراسة على أيديهم لا تقدم الكثير للأجيال المبدعة، لأنها تتعامل مع النص أو المادة الموروثة في إطار الانبهارية الآنية الخالية من عناصر الحياة، والتي تخبو بمجرد طي الصفحة، فصار جهد هؤلاء مبتورا يصب خارج القراءة السليمة للتراث.

3- مرجعية إختارت القطيعة مع التراث جملة وتفصيلا، وقد حدث ذلك في ظل التأثر السلبي الذي جعل بعضهم يعادي التراث في إطار حملة مايعرف  بفن المستقبل أو الفن الذي يخلص المثقفين من مرض القانقارين الميت الذي نشره الأساتذة والأثاريون والأدلاء السياحيون ومتعاطو بيع الآثار القديمة...، أو هو الفن الذي يجعل أصحابه يعلنون بقولهم نحن نخلق ولا نرث.

4- مرجعية يتعامل فيها أصحابها مع الموروث من خلال الانتقاء ويشمل هذا الرأي مجموعتين من المثقفين، تكمن الأولى في الذين تجردوا من حصانة الكينونة العربية الإسلامية، وتزودوا بكتل أيديولوجية متشابكة ومتناقضة أحيانا، وهي الأطراف التي فرضت التعامل مع نوع من التراث دون غيره حين حصرته في منطلقات أيديولوجية مذهبية تحدد بصورة قبلية الرؤية للتراث ومنهج قراءته، والهدف منها.

وقد حاولت هذه الفئة- من خلال إملاءات مسبقة- أن تتواصل مع سلبيات التراث لا لشيء إلا لأنها شواهد جليلة على ماتنجزه في إطار الكتل الأيديولوجية، وازداد الأمر تعقيدا لدى هذه الفئة حينما انفتحت على تراث الآخرين بل وعلى الجانب السلبي منه ولم تحصد بهذا الفعل إلا التواصل السلبي الذي تداخل فيه الإرث الميت مع الإرث المميت أو كما شرح " مالك بن نبي (ت1973)" ذلك بدقة في كتابه "مشكلة الأفكار".

وتكمن المجموعة الثانية في مثقفين ومبدعين أرادوا التعامل مع التراث في إطار الصفاء الروحي والفكري وفي لحظات سعي صانعيه المستقيم، هذا السعي الذي يبدو من خلال التاريخ الإسلامي في شتى واجهاته العقدية والجهادية والعلمية...، فالمقياس عند هذه الفئة هو الإسلام المؤيد بارث العروبة والذي يهمنا هو ما يحيى ذلك فيها ويقوي الفنية في الشعر، أما ما يمقت عناصر المرجعية المذكورة او يشوهها فلا يمجد، ولا يمكن ان يكون نموذجا للتواصل، فالخلاصة عند هؤلاء  ان الانتماء الزمني المؤيد بالكم الثقافي لا يصلح ان نراهن عليه، وقد شدد أصحاب هذه الرؤية على هذا التمييز، يقول الدكتور عماد الدين خليل إن تراث أمتنا ليس الإسلام، أو أن الإسلام ليس تراث أمتنا بالشكل الرياضي الصارم كتطابق مثلثين تناظرت زواياهما... إذن  -أي التراث- حشد من المعطيات تتمخض عن طبيعة التجربة التي أحدثتها مواقف آبائنا وأجدادنا من الإسلام... معطيات شتى فيها الخطأ والصواب، والأسود والأبيض، والمعوج والمستقيم، والظالم والعادل.

وخلاصة هذه الآراء أنها لم تستطع أن تلتقي في جذر واحد يمهد لتكوين فكرة صائبة عن التراث في ذهن المتلقي، وعدم اللقاء هذا قد سمح للصور المشوهة المضطربة أن تمارس سيادتها في ظل المكون الواعي الجيد الذي يبقى غائبا.

والممارسة غير الواعية هذه نجدها شاملة للعالم العربي – كما ذكرنا آنفا – لكنها في الجزائر أكبر حين غدت صورة التراث بأكملها هزيلة ناهيك عن أن تخضع لمجموعة من الآراء السابقة.

والسبب يعود إلى ندرة البرامج المؤسساتية التي تهتم بالتراث، فنحن قد ولدنا بعد الاستقلال (1962) حداثيين حين لم نؤسس للمكون الثقافي الخاص، ولم نسأل بشأن تراثنا الذي يجب أن نتواصل معه، وقد أثرت هذه الندرة، وهذا التواصل السلبي على المثقف الجزائري، بل والمبدعين أنفسهم حين لم يستطيعوا أن يكتبوا في ظل ثقافة تراثية إيجابية تمنحهم المؤيدات الفنية أو التراث المعادل الذي يصب في دائرة الوعي، والنتيجة أن التعامل الجيد مع التراث ضعيف، بل وغائب أحيانا.