نحو منهج بنيوي في تحليل الشعر.. تطوير منهج في تحليل الشعر وإضاءة ملامح من بنية القصيدة



نحو منهج بنيوي في تحليل الشعر:

حلل الباحث بنيوياً مقطوعات شعرية لأبي نواس وأبي تمام، هادفاً إلى تحقيق متابعة تطوير منهج في تحليل الشعر، وإضاءة ملامح من بنية القصيدة عند هذين الشاعرين.
ففي تحليله لقصيدة أبي نواس التي مطلعها:
يا ابنة الشيخ اصبحينا + ما الذي تنتظرينا
قد جرى في عودك الما + ءُ فأجرى الخمرَ فينا
إنما نشربُ منها + فاعلمي ذاك يقينا
كل من كان خلافاً + لشراب الصالحينا
واصرفيها عن بخيلٍ + دان بالإمساك دينا
أكل الدهرُ عليه + فيرى الساعةَ حينا
قفْ بربع الظاعنينا + وابكِ إن كنت حزينا
واسألِ الدارَ متى فا + رقتِ الدارُ القطينا
قد سألناها، وتأبى + أن تجيبَ السائلينا 

الظواهر والعلاقات:

يعتمد المنهج البنيوي الذي يسمح باكتناه العلاقات التي تكون بين الحركات المكونة لعمل أدبي، ويؤكد أهمية مبدأ أساسي في المنهج البنيوي هو أن (الظواهر) لا تعني وهي معزولة، وإنما تعني عبر (العلاقات) التي تنشأ بين هذه الظواهر.

الخمرة والأطلال:

وهذه القصيدة ترتكز على مكوّنين بنيويين هما: الخمرة والأطلال، فهما علامتان أساسيتان.
(والعلامة مصطلح أساسي في الدراسات الألسنية عند سوسير، وقد أخذه عنه البنيويون)، أو هما حقلان دلاليان لكل منهما خصائصه المميزة ووحداته الأولية، أي أن كل علامة تشكل حركة مكونة من حركات القصيدة.
ومن تفاعل الحركتين تتشكل حزم من العلاقات التي تحدّد بنية القصيدة ودلالتها من جهة، وعلاقاتها بين القصائد الأخرى من جهة أخرى.

وتتألف الحركة الأولى (حركة الخمرة) من ستة أبيات، بينما الحركة الثانية (حركة الأطلال) من ثلاثة أبيات (قف بربع الظاعنينا)، ويلاحظ فوراً أن الحركة الأولى تشغل الحيز الأعظم من القصيدة (ضعف حجم الحركة الثانية)، وأنها تتألف من أربعين وحدة لغوية (كلمات + حروف جر).
بينما تتألف الحركة الثانية من نصف هذا العدد (عشرين وحدة لغوية)، أي أن حجم الحركة الثانية هو نصف حجم الحركة الأولى.

التصريع:

كما يلاحظ أن الحركتين منفصلتان انفصالاً يميزه مؤشر لغوي هو (التصريع)، إذ أن الحركة الأولى تبدأ ببيت فيه تصريع (اصبحينا /تنتظرينا) وهذه ظاهرة عادية في الشعر العربي. والحركة الثانية تبدأ أيضاً ببيت فيه تصريع (الظاعنينا /حزينا) وهي ظاهرة نادرة في الشعر العربي، إذ أن التصريع من ملامح مطلع القصيدة.
وتكتسب هذه الظاهرة دلالتها، تبعاً للمنهج البنيوي، ومن التشابه والتضاد اللذين توفرهما: فهي تخلق (تشابهاً) بين الحركتين الأولى والثانية يؤدي إلى تمييزهما واعتبارهما حركتين منفصلتين.
وهي تخلق (تضاداً) من مواقع وجود التصريع ومواقع الخلو منه.
ولولا ذلك لما كانت تعني الكثير، ذلك أن التصريع يقتصر على هاتين الحركتين، ويرد في بدئهما فقط، ويختفي من الأبيات التي تقع في وسط كل منهما
ويؤكد هذا التأثيرُ التقني أن الحركتين تمثلان بدأين مستقلين وكونين منفصلين.

البنية اللغوية والعلاقات التركيبية:

كما يتأكد هذا التمايز والانفصام في (البنية اللغوية والعلاقات التركيبية) في الحركتين: إذ تبدأ الحركة الأولى بمنادى مضاف يتلوه فعل الأمر.
بينما تبدأ الحركة الثانية بفعل الأمر مباشرة (قف).
ويتلو فعل الأمر في الحركة الأولى جملة استفهامية استفهامها حقيقي؛ بينما يتلو فعل الأمر في الثانية فعل أمر آخر معطوف عليه، ثم فعل أمر ثالث معطوف عليهما، ثم جملة استفهامية في ظاهرها (متى فارقت الدار) أخرجت عن تركيب الاستفهام بوضعها في سياق الفعل (اسأل).
وثمة فرق آخر في طبيعة جملتي الاستفهام إذا ما اعتبرنا الجملة الثانية استفهاماً حقيقياً (اسأل: متى فارقت الدار القطينا) فإنها تظل ذات طبيعة مغايرة للجملة الاستفهامية الأولى (ما الذي تنتظرينا)، على صعيد آخر هو صعيد الذات التي توّجه السؤال (الشاعر /المخاطب).
إلا أن ثمة تمايزاً أعمق بين الحركتين هو التمايز بين (يا ابنة الشيخ) و(قف). وتنشأ من هذا التمايز ثنائية ضدية تتحرك على مستويين: المؤنث /المذكر، المعرفة /النكرة، ابنة الشيخ ذات محددة /الضمير في قف غير محدد له دلالة عامة.
مما تنشأ ثنائية ضدية زمنية: أصبحينا /متى فارقت الدار؟ زمن الشرب محدد بالصباح /وزمن الفراق غير محدد.

الثنائيات الضدية:

وهكذا يجلو البحث وجود سلسلة من (الثنائيات الضدية) بين الحركتين كما مرّ، وكما في ثنائية العلاقة بين الفرد /والجماعة، وعلاقة تواصل /وانفصام.
ذلك أن الحركة الأولى تبرز صيغة جماعية: وصحبه في حالة من التناغم والتواصل (أصبحينا جميعاً، نشرب جميعاً).
أما الحركة الثانية فإنها تبرز في صيغة المفرد بحدّة أكبر (قف. ابكِ. اسأل) وحين تظهر صيغة الجماعة (الظاعنين) فإن العلاقة بين الفرد والجماعة تكون علاقة انفصام وهجران يسببان الألم (ظعنوا وتركوك حزينا).
كما تظهر ثنائية الفرد /الجماعة على صعيد آخر هو: الشاعر وصحبه /الفرد الواقف في الأطلال.

التواصل والانفصام:

وينعكس التضاد بين التواصل والانفصام على أكثر من مستوى: حركة ابنة الشيخ، حركة باتجاه جماعة الشاربين /حركة الظاعنين حركة ابتعاد عن الواقف في الربع.
على صعيد أعمق تمثل الأطلال عالم الجدب والجفاف.
أما الخمرة فإنها تمثل عالم الرواء والاخضرار.
ويتجلّى هذا في صورة الخمرة (قد جرى في عودك الماء) وفي حين لا يمنح عالم الأطلال رواء فإن عالم الخمرة يمنحه (فأجرى الخمر فينا).
كما يجسّد عالم الأطلال عالم الصمت وانعدام الاستجابة (قد سألناها وتأبى أن تجيبا).
أما الخمرة فإنها تجسّد عالم الحيوية والاستجابة (أصبحينا).
من هنا يمثّل مطلعا الحركتين أيضاً ثنائية ضدية على صعيد الاستجابة: فكل منهما يطرح سؤالاً موجهاً إلى ذات أخرى.
لكن الأول يلقى استجابة، أما الثاني فلا.

الزمن:

كما يمثل البيتان الخامس والسادس ثنائية ضدية تتحرك على صعيد الزمن: البخيل هو النقيض الأكمل للذات التي تطلب الخمرة.
وكما أن المتدّين يطلب زمناً آخر ويعيش لـه هو زمن الآخرة، فيضيق بالزمن الأرضي ويحس بثقله وبطئه، فإن البخيل يحس أيضاً بثقل الزمن الأرضي وبطئه، بخلاف شارب الخمرة الذي يرى في اللحظة الحاضرة تجسيداً للزمن المطلق، لأن اللحظة الحاضرة هي لحظة النشوة والغبطة الأبدية.
والنشوة تختصر الزمن كله في ذاتها. من هنا دلالة الحضور في الشعر الصوفي في توحّد الخمرة بالنشوة الروحية، أي أن زمن البخيل وزمن شارب الخمرة يشكلان ثنائية ضدية جذرية الأهمية.

الخمرة والأطلال:

ويرتبط زمن البخيل بزمن الأطلال لأن الأطلال تجسد اسمي لطول الزمن ومروره وثقله وإفساده للحظة الحيوية والجمال والخصب.
وهكذا تتحرك ثنائية الزمن على صعيد الخمرة /الأطلال، كما تتحرك على صعيد زمن الشارب /زمن الأطلال.
كما تبدو (العلاقة) بين العلامتين المكونتين لبنية القصيدة (الخمرة /الأطلال) علاقة سلبية.
وإن الخمرة والأطلال هما طرفا ثنائية ضدية.
وإن الخمرة تشغل الحيز الأعظم وتمثل عالماً مركزي الأهمية يرتبط به الشاعر ارتباطاً حميماً.
كمّا أن الأطلال تشغل الحيز الأصغر، وتمثل عالماً جانبي الأهمية في رؤيا الشاعر للوجود.
لكن هناك عنصراً آخر عميق الدلالة هو العلاقة الأفقية التي تتكون بين الخمرة والأطلال: فالخمرة تشغل الشريحة الأولى من القصيدة.
أما الأطلال فتشغل الشريحة الثانية.

القلب:

وهذا قلب لأوضاع شريحة الأطلال وعلاقتها بالشرائح الأخرى في القصيدة العربية، لأن الأطلال تشكل الحركة الأساسية التي تتجسد فيها رؤيا الشاعر القديم للزمن والموت.
وعلى هذا فإن قلب أبي نواس لموقع شريحة الأطلال لا يمكن أن يكون خالياً من الدلالة.
فهذا القلب هو تجسيد لقلبه للرموز التي تمثلها الأطلال في التراث الشعري، ولرفضه العميق للعالم الذي ترتبط به الأطلال.
وهكذا يقلب أبو نواس نظام الكون التراثي ويعيد تركيب مكوناته في صورة جديدة، وضمن شبكة جديدة من العلاقات تحتل الخمرة فيها مركز الصورة النمطية المتأصلة في أعماق الذات، بدلاً من الأطلال التي تخلخل وضعها في نظام الأشياء، وتسقط إلى موقع هامشي، أي أن رفض الشاعر للتراث يتجسّد في تغييره للعلاقات البنيوية التي تتكوّن منها القصيدة في عزله لحركة الأطلال عن الحركة الأولى المليئة بالحياة والرواء، ومنحها حيّزاً مكانياً أصغر، وقلب أوضاعها بقذفها إلى القسم الثاني من القصيدة.

بنية التجربة الشعرية:

وبهذا التناول البنيوي ندرك أن الوجود المنعزل لظاهرة ما (الأطلال) ليس ذا دلالة بحد ذاته، وإنما تنبع الدلالة من العلاقات التي تتكون بين الظاهرة والعلامات الأخرى في القصيدة.
كذلك ندرك أن البنية اللغوية لنص أدبي ما ونظامه التركيبي وطريقة تشكل شرائحه الأساسية هي المنابع الحقيقية للدلالات الفنية التي تبلور الرؤيا العميقة الكامنة في بنية التجربة الشعرية.
وبعد أن أظهر التحليل البنيوي أن القصيدة تنقسم انقساماً أفقياً إلى شريحتين تشكلان ثنائية ضدية ينفي طرفها الأول طرفها الثاني برفضه ورفض العالم الذي يمثله، يمكن أن يميّز انقسام مماثل على مستوى شاقولي في القصيدة هو الانقسام الذي يضع الشاعر في مواجهة الآخر، بوصف الآخر المجسّد للقيم الأخلاقية الجماعية: (شراب الصالحين. البخيل).

البنية الإيقاعية:

وبهذا الانقسام أيضاً تتشكل ثنائية ضدية طرفاها: الأنا والآخر، ويرفض الطرف الأول منها الطرف الثاني والقيم الأخلاقية –الدينية التي يمثلها.
وهكذا تصبح القصيدة تجسيداً لرفض حاد لواقع التراث الأخلاقي /الديني/ الثقافي/ الشعري.
ويتجسّد هذا الرفض في بنية متشابكة العلاقات يحكمها انقسامان يتقاطعان.
ثم ينتقل الباحث إلى دراسة البنية (الإيقاعية) للقصيدة، محاولاً وصفها أولاً، واكتشاف العلاقات التي تتشكل ضمنها، ثم ربطها بالبنية الدلالية للرؤيا الوجودية التي تأتي القصيدة لتجسّدها.
وقد استخدم في دراسته هذه مفهوم (النبْر)، دون أن يقتصر على الوزن، متبعاً في تحديد مواقع النبر المبادئ التي طوّرها في كتابه (في البنية الإيقاعية للشعر العربي).

النبر اللغوي والنبر الشعري:

وهو يميّز بين نوعين من النبر هما: النبر الشعري المجرد الذي يقع على البيت من الشعر من حيث هو نمط أفقي من الوحدات الإيقاعية (التفعيلات)، والنبر اللغوي الذي يقع على الألفاظ التي يتألف منها البيت بوصفها وحدات لغوية قاموسية معزولة تشكل الآن في جملة وتبقى محتفظة بنبرها اللغوي. وقد درس الباحث هذين النبرين، فحدد مواقع النبر اللغوي أولاً، ثم مواقع النبر الشعري، ودرس عدد النبرات الموجودة في كل بيت، وفي مجموعة الأبيات.
كما درس التطابق بين النبر اللغوي والنبر الشعري، ثم قارن بين أبيات حركة الخمرة مع أبيات حركة الأطلال.

العلاقات الجذرية في البنية الدلالية:

ثم درس الباحث (الوزن) بمعزل عن النبر، فلاحظ أن ثمة تناسقاً في تكرار صور الأبيات (1 –7 –4 –8 -5 -9) وأن للبيتين (5و9) تركيباً موحداً، إذ يمثلان عالماً واحداً (البخيل والأطلال) وهو عالم نقيض لعالم الشاعر، وأن للبيتين (1 و7) تركيباً واحداً هو (التصريع) وكلاهما يمثل فعل أمر يتجه من الذات الشاعرة إلى ذات أخرى، وأن للبيتين (4 و8) تركيباً موحداً: فالشطر الثاني من كل منهما يخالّف الشطر الأول ويعكس تركيبه.
وفيهما تحدث حركة الانفصام والانشقاق بين عالمين.
وهكذا تجسّد البنية الإيقاعية العلاقات الجذرية في البنية الدلالية.
ويمكن تعميق إدراك هذا التجسيد بدراسة علاقات الوحدات الإيقاعية باتجاه آخر هو التوزيع الشاقولي للوحدات الإيقاعية، فهو ذو دلالات عميقة.