محاولات بريطانية لحل النزاع بين الحجاز ونجد.. عمل عبد العزيز بن سعود على مد نفوذه في منطقة الحدود عن طريق نشر الوهابية بين قبائل تلك المناطق



لقد ظل ابن سعود ـ رغم امتثاله لإرشادات (كوكس) ـ ينظر بعين القلق والاستياء لقوة الحسين المتزايدة بسبب توالي الإمدادات البريطانية، في الوقت الذي لم تتعد مخصصاته الشهرية (5000) جنيه وأبدى خشيته من أن توجه هذه القوة ضده يوما ما، وارتاب فيما إذا كان قد خدع من قبل بريطانيا أو اقتيد لمهادنة خصمه لحين تكامل قوته، ليسهل عليه اكتساحه عن نجد، فأخذ حلفائه وهدد بإزاحة الحسين حال انقطاع إعانتهم له، وأعرب عن ثقته بان الحجازيين سينظرون له بمثابة محرر لهم.

ومع ما كان للتضارب المنوه عنه في السياسة البريطانية من الأثر في هذا النزاع، فإن الحكومة البريطانية، ولارتياحها للنتائج التي حققتها قوات الحسين، لم يكن أمامها سوى إغفال هذا التضارب والتأكيد على التسوية بين الحاكمين ولو وقتيا تمشيا مع مصالحها.

والظاهر ان المكتب العربي في القاهرة كان مستعدا لتنسيق سياته مع موظفي حكومة الهند في بغداد وضمان علاقة ودية بين الحجاز ونجد والحيلولة دون تحول غيرة ابن سعود الى اعمال عدوانية ضد الحجاز، قد تلحق الضرر بالاوضاع العسكرية الجارية حينذاك   فبعث المكتب العربي بالسير رونالد ستورس (Ronald Storrs) الى بغداد للتشاور مع السير برسي كوكس واجتمع بالاخير وبالمس بيل (Bell) في مايس 1917، اقترح عليها حينها الاجتماع بابن سعود، غير ان ستورس لم يتمكن من مواصلة سفره الى الرياض، وهو في طريقه اليها لمرضه.

رغم ان الاجتماع المؤمل لم يكن يمنع الاخير من طرح وجهة نظر المكتب العربي والتكلم بصوت واحد عن جانبين ذوي مصالح متضاربة وعلى اية حال فإن البادرة الاخيرة ـ رغم إخفاقها فسحت المجال للأخذ بفكرة الاتصال بابن سعود، رغم انقطاع ذلك منذ وفاة الوكيل السياسي البريطاني في الكويت الكابتن شكسبير (W.H.C. Shakespear) وانسحاب اكثر البعثات البريطانية التي كانت هناك.

وفي الوقت الذي كانت تجري فيه هذه المساعي، كان عبد العزيز بن سعود يعمل على مد نفوذه في منطقة الحدود عن طريق نشر الوهابية بين قبائل تلك المناطق. فأمست واحة الحزمة شبه وهابية، فيما انتمى اليها الكثير من قبيلة عتيبة، الى الحد الذي دفعها الى الافصاح عن مقاومتها لسيادة الحسين في ربوعها مما اثار الحسين ودفعه لإبلاغ المندوب السامي في القاهرة عن أعمال عبد العزيز بن سعود الاخيرة وضرورة الحد من نشاط اتباعه واستجابة لذلك اقترحت الحكومة البريطانية إيفاد بعثتين عن كل من بغداد والقاهرة، للرياض والاجتماع بابن مسعود، وتمخض ذلك عن إيفاد المسؤولون الانكليز في بغداد في نهاية تشرين الاول 1917، الضابط المعروف (فلبي) رئيسا للبعثة.

بينما ترأس ستورس الوفد الذي اقرت مهمته القاهرة كما سيتبين.
كان على بعثة فلبي اضافة الى مهمتها المشار اليها ان تدفع بابن سعود باتجاه حايل واميرها الذي مايزال يروج الدعاية العثمانية ويقف بجانبها، في محاولة لاضعافه ومنعه من إعاقة تقدم العمليات العسكرية باتجاه الشمال، والتثبت فيما اذا قد يجبر العاهل النجدي للوقوف في جانب العثمانيين، والتعرف على ما يحتاجه من الاسلحة حالة موافقته لاهداف بريطانيا ومهاجمة عدوه الوراثي ابن الرشيد خاصة وان الاتراك قد ضاعفوا من أمداداتهم العسكرية والمادية للاخير وامسى مصدرا للاضطراب والقلق.

حاول (فلبي) لدى اجتماعه بابن سعود في نهاية تشرين الثاني 1917 التأكيد على تجنب النزاع مع الملك حسين لاسيما وان الاخير مازال يثير دعاويه بالملكية على العرب، في الوقت الذي كانت تحتم فيه الظروف تقدير اهمية حملة الامير فيصل وضرورتها لدعم قوات الجنرال اللنبي في فلسطين، وعلى كل حال فإن فلبي تمكن من إقناع صديقه النجدي في الامتناع عن أي اعتداء ضد الحجاز، شريطة كبح بريطانيا لجماح الحسين ومنعه من أي تجاوز ضد نجد وان تؤكد له من جديد احترامها لاستقلال سلطنة نجد ضمن ما جاءت به معاهدة العقير سالفة الذكر.

من جهة ثانية لم يوفق (ستورس) ممثل القاهرة في المجيء كما اتفق لمعارضة الحسين، بحجة المخاطر التي تحف بالطريق المؤدي الى نجد، واضطراب الوضع القائم في الحدود   دون الافصاح عن عدم رغبته في إجراء مفاوضات بين بريطانيا وسلطان نجد، لاعتقاده بعدم خدمتها لمصالحه، وترجيحها لكفة عبد العزيز سعود عليه، اذ ان أي اتفاق بنظرة بين الانكليز وعبد العزيز بن سعود اجحاف باتفاقه وإياهم، واذا ما تم الاتفاق فهو يرغب ان يكون عن طريقه (اتركوا لي ابن سعود ـ انا اعالجه ـ اقول لكم لخيركم وخير العرب).

والحقيقة ان ما تذرع به الحسين بشأن سفر ستورس، انما كان حجة واهية. اذ أن ـ ستورس ابلغ الامير عبد الله في 16 كانون الاول 1917 عن عدم حاجته في سفره لنجد الى حرس او مؤونة، نظرا لسفره جوا اختصارا للوقت، وعلى كل حال فقد كان على بعثة بغداد ان تتولى معالجة الامور بنفسها دون مساعدة القاهرة الامر الذي حال دون التنسيق بين سياسة الطرفين، بيد ان فلبي ـ كأحد موظفي حكومة الهند ـ ومناوئة منه للحسين ـ كان قد تعمد خلال انتظاره لستورس، بالسفر الى الحجاز للاجتماع بالملك، بعد ان اقنع كلا من كوكس و عبد العزيز بن سعود بذلك، ووصل جدة في 29 كانون الاول 1917 فلم تتجاهل القاهرة وجود فلبي في جدة، والاجتماع به، بعد ان تعذر ذلك في الرياض، فبعثت بالدكتور هوغارث   في 6 كانون الثاني 1918 للتشاور معه، الى جانب مهمات اخرى  . وقد حضر الحسين بنفسه في اليوم التالي ليبدأ اسبوعا من المباحثات.

بسط الحسين في هذا اللقاء ما تعهد به عبد العزيز بن سعود في صلح عام 1910 وعدم تنفيذ الاخير لما جاء فيه، وانما راح يمارس نشاطه بين قبائل عتيبة لاستمالتهم وتوجيههم ضد الحجاز، مستغلا الظروف الاقتصادية الصعبة التي تضطرهم الى المتاجرة مع نجد ليبث بينهم التعاليم الوهابية.

واتهم الحسين خصمه بتواطئه مع العثمانيين مستندا على الرسائل المتبادلة بين ابن سعود وقائد المدينة فخري باشا   واستمر متهما عبد العزيز بن سعود بتحريض القبائل القاطنة في الحدود على اثارة الاضطرابات، واعداد عشائر الخرمة النجدية ضد الحجاز.

وقد حاول فلبي تنفيذ ما ذهب اليه، الحسين، فرد على تهمة تواطؤ ابن سعود مع فخري باشا، بإخراجه رسالتين تبودلتا بين الاخيرين، كان قد تسلمها فلبي من ابن سعود عند مجيئه للحجاز، تؤكدان ـ كما ذهب فلبي ـ على رفض ابن سعود لطلب فخري باشا وهذا ما يفسر لدى فلبي امتناع الحسين عن تسلمهما او قراءتهما، أما بالنسبة لاتهام ابن سعود بتحريض القبائل فأشار الى استغاثة اهالي الخرمة بابن سعود ـ خلال وجوده في الرياض ـ وطمأنه السلطان لهم بحماية بريطانية ودفاعها عنهم، على ان يقاوموا أي هجوم حجازي ضدهم، وهو على استعداد لنجدتهم عند الشدة.

ولم يقتصر تجاوب الموقف مع ابن سعود على صديقه (فلبي) فحسب، وضم الدكتور هوغارث (Dr. Hogarth) ايضا ولو بصيغة النصح والاعتدال.

فقد ابدى عدم تسليمه بما الصقه الحسين بابن سعود من التهم والاخطاء. وهو او (حكومته) يتوقع احترام الملك للمعاهدة الموجودة بين بريطانية وعبد العزيز بن سعود، إضافة الى حقوقه الاقليمية والعشائرية ومعاملته بصورة صحيحة، وعليه (ان لا ينظر ان تأييدنا له كإجراء معادي لابن سعود، او تلبية مطلبه للسيادة على نجد.

والاكثر من هذا فإننا اذا فكرنا بتسليح عبد العزيز بن سعود وشجعناه لمهاجمة حايل فإننا نعتبر مثل هذا العمل متفق تماما مع هدف العرب ومع اتفاقيتنا مع الملك).

لكن الحسين لم يكن يثق بصدق نوايا عبد العزيز بن سعود تجاهه او تجاه بريطانيا ولم يأبه بآراء هوغارث او فلبي واعتبرها خاطئة.
اذ كان على خوف من عبد العزيز بن سعود وخطورة حركته الدينية على الحجاز ولم يرجع خوفه لقوة الوهابيين او ثبوت تفوقها على اتباعه من البدو فحسب، وانما يرجع ايضا الى ابتعاد عناصر قواته العسكرية وانشغالها في قتال القوات العثمانية التي كان يقودها فيصل في الشمال، وعبد الله في حصار المدينة.

اما النقطة الاخرى التي كانت تحول دون تفاهم الحسين وكل من هوغارث وفلبي بشأن العلاقات مع نجد، فهي عدم تفاهم الحسين وكل من هوغارث وفلبي بشأن العلاقات مع نجد، فهي عدم اعتراف عبد العزيز بن سعود بملكية الحسين على العرب اذ كان الحسين يطمح لنيل هذا اللقب لامجرد (ملك الحجاز) ذلك اللقب الصغير الذي وصفه بأنه (شبح بلا معنى).

وقد اشار فلبي الى هذه الناحية في احدى رسائله الى (كوكس) بقوله (ان ما يريده الحسين حقا هو توقيع عبد العزيز بن سعود وموافقته على ملكيته بدلا من أي عمل مستقل له (عبد العزيز بن سعود) كحليف لنا، فيما اضاف هوغارث انطباعاته بهذا الصدد بقوله ان الحسين لم يكن متأكدا كليا من ضمان وضعه الحاضر سواء مستقبل منطقته او قابليته في السيطرة على الموقف العربي في انحاء مختلفة، فهو (ولد ليحكم ولكن ليس له ان يحكم اكثر مما تراه عيناه، واذا كان له ان يصبح ملكا على العرب فإن هذا الشعب يجب ان يكون عبارة عن اتحاد دول ذات سيادة مع حكم ذاتي محلي كامل وتام الى درجة سيادته الشبحية ستبقى رمزا بسيطا للوحدة فقط).

وعلى اية حال فإن الحسين ـ رغم ما أبداه بشأن نزاعه مع عبد العزيز ابن سعود ـ لايرغب في إثارة النزاع معه، لابحجة استمرار الحرب العالمية على حد تعبيره، بل لانه ـ بنظر هوغارث ـ اضعف ما ان يفعل ما يرغب.

فولاؤه لبريطانيا ولاء عاطفي وليس شخصيا وهو بذلك لايرغب بإثارة ما يضر مصالحها، الا انه سيراقب أي حركة عدوانية لعبد عبد العزيز بن سعود ضد جيرانه العرب، ليحصل على الدليل الذي يستند اليه في إثبات عدم تأييد عبد العزيز بن سعود لوحدة العرب، وعدم اخلاصه لبريطانيا.

وعلى كل حال ونظرا للسلبيات التي تقدم ذكرها، بات استمرار هذا اللقاء غير مجد وقد يقود الى نتائج سيئة، الامر الذي دفع بك من (هوغارث) و( فلبي) بطلب الاذن في العودة، غير ان الحسين وتعبيرا عن تضايقه من (فلبي) لم يسمح له بالعودة عن طريق الحجاز، رغم نصيحة هوغارث، مخافة ان يعد عبد العزيز ابن سعود ذلك عملا عدائيا موجها ضده. فكان على فلبي مصاحبة هوغارث الى القاهرة والعودة بعدها الى نجد عن طريق الخليج العربي.

ان اعتبار مطالب الحسين في الاجتماع الاخير سببا لفشله، لايبدو وافيا دون ربطه بالنزاع المنوه عنه بين مدرسة الهند والقاهرة، ولعل السطور التي اجاد بها فلبي في هذا الصدد خلال اجتماعه بهوغارث ما يلقي الضوء على هذه الزاوية، باعتبارهما ممثلين كلا الشقين المتناحرين للسياسة البريطانية في الشرق الاوسط، فقد اثنى (فلبي) طبعا على عبد العزيز بن سعود والنتائج التي حققها في تطويره لقوات الوهابيين وسط الجزيرة.

وخلافا لما توقع، لم تحظ توضيحاته باهتمام هوغارث وبدى عليه الاستياء لانه كان ينظر الى مستقبل العرب من خلال الاشراف، فمع تأكيده لما ذهب اليه فلبي ـ عما حققه عبد العزيز بن سعود من النتائج في ضبط قبائله المشاكسة وتنظيمها ـ فإن الاخير بنظره لايعدو اكثر من كونه شيخا بدويا كبيرا يتمتع بمكانة بارزة، ولايترك وراءه أثرا واضحا في التاريخ، او عملا منظما ودائما، وبوفاته ـ والرجال الذين يماثلونه ـ لايخلف سوى ردة عنيفة من الفوضى التي اعتادت عليها الجزيرة العربية.

بينما يختلف الامر بالنسبة للاشراف بما يمتلكونه من المكانة الدينية والسياسية، الامر الذي سيمكنهم في إقامة شيء ثابت ودائم في البلاد العربية يعينها في احتلال مكانتها من العالم الحديث.

ومن هنا يؤكد هوغارث التزام حكومته بقضية الاشراف وعدم استعدادها لتحطيم ما أقامته، تنفيذا لمطاليب عبد العزيز ابن سعود وادعاءاته.

وقد رد فلبي مدافعا عن صديقه النجدي مجردا إياه من أية مطامع، عدا الحفاظ على استقلال بلاده، ورفضه ـ فضلا عن تجنبه عداء الحسين ـ مهاجمة ابن الرشيد رغم المحاولات التي يبذلها المسؤولون في العراق في هدف صرفه عن الحجاز، واكد فلبي قناعة صاحبه بما عنده، وامكانية تحديد الحدود بين الجانبين عند انتهاء الحرب، لكنه اكد لهوغارث رفض عبد العزيز ابن سعود المطلق لسيادة الحسين عليه، وعبث المحاولات في هذا الشأن.

اما بصدد المستقبل الذي تطرق له هوغارث، فأوضح فلبي عدم جدوى البحث في امور قيد الافتراضات، وبين ان عبد العزيز بن سعود في السابع والثلاثين من عمره، وبالامكان التوقع ببقائه عشرين سنة اخرى، حيث تمسي الجزيرة التي سيتركها بعد هذا العمر غير ما هي عليه الآن.

ولن يجد خلفه صعوبة كبيرة في قيادة البلاد وان كان لا يتمتع بشخصية عبد العزيز بن سعود.
وذهب فلبي مشيدا بأعمال السلطان في إنشائه المستقرات الجماعية للبدو الرحل وتعويدهم على الحياة الزراعية والعسكرية معا، مع الاحتفاظ بالطابع الديني، الامر الذي وفر جيشا موحدا على استعداد لاسكات اي فتنة قبلية.