نشوب القتال على الحدود والموقف البريطاني منه.. معارك خرمة. تنامي التعاليم الوهابية عند الحدود المشتركة بين الحجاز ونجد واعتناقها من قبل بعض سكان المنطقة



معارك خرمة:
ازدادت توترات الوضع على الحدود المشتركة لنجد والحجاز بسبب المشاكل التي اندلعت في كل من واحتي تربة والخرمة، حيث اخذت تدريجيا شكلا خطيرا، تحمل الحسين قسطه الاكبر.

وترجع المشاكل الاخيرة التي فجرت الموقف الى تنامي التعاليم الوهابية عند الحدود المشتركة بين الحجاز ونجد، واعتناقها من قبل بعض سكان المنطقة، يأتي في بدايتهم الشريف (خالد بن لؤي) امير واحة خرمة، اذ اعتنق هذا الوهابية ولم يتخل عنها رغم اعتقاله من قبل الحسين عدة شهور، فما كاد يصل الواحة بعد اطلاق سراحه، حتى شرع في تصعيد نشاطه للوهابية، وكتب الى الحسين يعلمه باستقلاله وتكفيره للمكيين، وعزمه على طلب الحماية من نجد.

ومنذ هذا الوقت شرع في حشد اتباعه من قبائل عتيبة، وتعزيز مواقعه في المنطقة وسرعان ما امست الخرمة مركزا للدعوة الوهابية واخذ دعاتها من اتباع عبد العزيز بن سعود بنشرها بين القبائل المجاورة تارة بالترحيب واخرى بالترهيب.

الامر الذي دفع بالحسين في مايس 1918 الى تنبيه ابن سعود ومعاتبته، والدعوة لترك قبائل عتيبة وشأنها مع تعهده بتجنب ما يضر بمصالح نجد.

ولم يكتف الملك حسين بذلك وعمد الى التثبت من صحة التحركات وبعث بطلب خالدا بالقدوم الى مكة، فاعتذر الاخير متذرعا بأسباب تقتضي بقاءه، وعمد الى ارجاع القاضي الذي بعثه الحسين لتقصي الحقائق، بعد ان اضافه عدة ايام، بحجة تدخل في شؤون خارج اختصاصه، كما اوضح ذلك في رسالته التي حملها القاضي المذكور الى (عبد الله سراج) نائب رئيس الوزراء، غير ان الحسين وبعد تيقنه من اوضاع الخرمة عن طريق الاخبار التي نقلها القاضي، بعث مؤكدا على خالد بالمجيء.

فلم يجب الاخير هذه الدعوى، واخرى، ثم اعلن استقلاله، بما قام به من الاجراءات في اعتقاله لعمال الحسين الذين جاؤوا لجمع اموال الزكاة من سكان الواحة، في الوقت الذي تم له اخراج العناصر المعادية فيها بمساعدة القوات الوهابية وردا على ذلك عزل الحسين خالدا من منصبه، مستعيضا عنه بانب عمه بيد ان الامير الجديد تعذرك عمال اوكل اليه، لان خالدا لم يبق له نفوذا او وجاهة في المنطقة فاضطر حينها الحسين لاستخدام القوة، وابلغ المعتمد البريطاني في جدة في 13 مايس 1918 بالاعتداءات الوهابية ومطالبتهم سكان المنطقة بدفع الزكاة، لتكون الحكومة البريطانية على بينة من الامر، بعد ان اعرب عن عزمه لاحتلال المنطقة ورغبته في تأييد بريطانيا لهذه الخطوة.

نفذ الحسين ما عزم عليه وشرع بإرسال حملاته في اوائل حزيران 1918، غير ان هذه الحملات التي بلغت ثلاثا، باءت جميعها بالفشل وذاقت الهزيمة على يد خالد بن لؤي، الامر الذي كان له اثره في نظرة عشائر المنطقة التي راحت والتفت حول الاخير طمعا في الكسب والغنيمة، اما موقف عبد العزيز بن سعود من هذه الحملات.

فمع رغبته لقتال الحسين الا ان التزاماته تجاه بريطانيا كانت تحول دون ذلك، خصوصا وان (فلبي) كان يراقب حركاته ويحذره من النتائج السيئة المترتبة على ذلك في الوقت الذي كان يحثه فيه لمهاجمة ابن الرشيد، حتى يذكر أن (فلبي) اقترح عليه الاسهام في الهجوم على دمشق حيث يمكن عن طريقها مهاجمة امير حايل ايضا.

لقد كانت مصلحة الامبراطورية فوق كل التناقضات السياسية بين مسؤوليها، وليس هناك ما يمنع حكومة الهند للحد من نزعة ابن سعود القتالية، خدمة للاهداف العسكرية المتمثلة في استمرار تقدم القوات العربية التي كان يشرف الهاشميون على قيادتها بجانب قوات الحلفاء نحو الشام.

لذلك كان لزاما على (فلبي) ورغم ممالئته لابن سعود، ان يهدئ من روع الاخير ويصرف نظره عن الحجاز الى حايل، فكان ذلك بلا شك افضل ما يمكن عمله، في الوقت الذي يتم فيه دفع الحسين لاخذ المدينة، غير ان هذا التفاهم الوقتي الذي ارتضته حكومة الهند مع موظفي القاهرة لا يعني انتفاء خلافاتهما بالطبع، خاصة وبعد متابعة الحكومة البريطانية للتطورات العسكرية التي حققها مسؤولو القاهرة في كل من سورية وفلسطين، فدخول (اللنبي) القدس في (9 كانون الاول 1917).

وما حظى به دور المقاتلين العرب والعائلة الهاشمية في هذا الانتصار ـ زاد من اهميته الكولونيل (لورنس) من المكتب العربي المعروف بمساندته (للأشراف ـ الى الحد الذي اوشكت فيه الحكومة البريطانية على الاستغناء من خدمات عبد العزيز بن سعود وقطع الاعانات عنه، لولا مساعي آرنولد ولسن الحاكم السياسي في العراق، بهذا الشأن.

وكانت الحكومة البريطانية قد ابلغت (كوكس) لدى زيارته لندن في آذار 1918 هذا الموقف، وانتفاء الحاجة لمهاجمة ابن الرشيد بعد التطورات العسكرية سالفة الذكر والحقيقة ان كوكس لم يبخل في دفاعه عن عبد العزيز بن سعود وتمكن من اقناع حكومة لندن بالتريث لحين عودة فلبي الى الرياض، والتقارير التي سيتقدم بها.

وواصل كوكس موقفه هذا في الاجتماع الذي عقده مع مسؤولي القاهرة وهو في طريقه الى لندن، حينما اوضح استحالة قيام وحدة عربية تحت سيادة الحسين لعدم اعتراف عبد العزيز بن سعود بسلطته الدنيوية فضلا عما يكنه له من الريبة والحسد، برغم اعترافه بمكانته الدينية ومضى (كوكس) وأشار الى استقامة حليفه والتزامه بتعهداته، وتجنبه التجاوز على الحجاز طيلة استمرار فترة الحرب.

بيد انه ـ ولارتيابه بنوايا الحسين ـ كان مضطرا لاحتراس والعمل حفاظا على مواقعه، ولعل هذا ما دفعه لدعم حركة الوهابيين واستغلال قوتهم لصالحه، لما تميزوا به من الروح القتالية منذ السابق. وبرر كوكس ايضا استغلال عبد العزيز بن سعود لنفوذه القوي بين قبائل عتيبة للوقوف بوجه فعاليات الحسين المماثلة في منطقة الحدود.

وعند الحديث عن ابن الرشيد اشار الكولونيل (ولسن) الى عزم الامير عبد الله لمهاجمة ابن الرشيد، حال ازاحة الاتراك من الحجاز، غير ان كوكس ـ وردا على استفسار ولسن بهذا الصدد ـ اعرب عن ثقته بمعارضة عبد العزيز بن سعود لذلك بقوة، واستمراره على عدائه الموروث مع ابن الرشيد، حتى في حالة تفاهم الحسين والاخير.

وعند مناقشة النقطة الثالثة المتعلقة بـ " سياسة المستقبل في الجزيرة العربية"، اوضح كوكس وجهة نظر حكومته بصدد ذلك فكرر تأكيده على فشل المساعي الرامية لفرض سلطة الحسين الدنيوية على عبد العزيز بن سعود او امام اليمن او الادريسي في المستقبل، لرفضهم ذلك.
كما ان مستقبل الحسين الذي يعتمد على نجاحات قواته في الشمال، لا يعني موافقة العراقيين او السوريين لتدخل الحسين في شؤونهم.
وعندما يصح بالتأكيد على دور الحكومة البريطانية لحفظ السلام بين حكام الجزيرة عن طريق اتمام المعاهدات بينهم، أبدى أعضاء المكتب العربي معارضتهم لآراء كوكس بما فيها اقتراحه المتعلق بإحلال التوازن بين الحجاز ونجد، والقاضي بإبقاء إمارة حايل بينهما، لعدم ترجيحهم تورط بريطانيا في نزاعات وسط الجزيرة، فضلا عن الخطة الجديدة ـ والمناقضة لسياسة حكومة الهند ـ القاضية بتمركز المساعدات البريطانية في الحجاز، وعند جناح القائد اللنبي، وعدم التأكيد على ابن سعود، ولكن مع إبقاء اللعبة عن طريق "الاعانات القليلة" التي تصله بواسطة فلبي.

لقد كان نزاع نجد والحجاز سببا مهما في تعزيز خلافات القاهرة وبغداد وصعوبة تنسيق سياستيهما، وبالعكس.

فبينما كان مسؤولوا القاهرة يقرون ضمنيا إرجاع الحسين للخرمة وتأديب خالد بن لؤي، دعا نظراؤهم في بغداد برفع الايدي عن الخرمة بحجة العداء الذي سيسببه استحواذ الحسين على الخرمة لدى الوهابيين سواء للشريف او لبريطانيا نفسها، واستمرار الطرفين على حالهما، حتى ان وزير الهند اقترح في 5 تموز 1918 بنقل مسؤولية السياسة العربية الى وزارته لكنه عورض من قبل وزارة الخارجية، باعتباره عملا مضرا بالتزاماتها الأخيرة للقضية العربية، بسبب عدائها للشريف والعرب على السواء وغفلتها عما يقدمه موقفها هذا من خدمة للاتراك.

وراحت وزارة الخارجية واعلنت بصراحة ان نزاع الحجاز ونجد يعود في أساسه الى نزاع مسؤولي وزارة الهند مع مسؤوليها.

ولانعكاس هذا التضارب على طرفي النزاع، كان من حق ابن سعود ان يستصعب كما صعب على غيره فهم السياسة البريطانية، فقد كتب في 25 تموز "لقد اصبحت الحكومة البريطانية وكأنها حكومتان الاولى حكومة مصر والتي تسير بكلمات الشريف وتؤمن به وتنفذ مطامعه، سواء كان على خطأ او على صواب، وحكومة العراق التي كانت تستقبل اعداءه بذراعين مفتوحين وتمنعنا من معاقبتهم" واعرب السلطان لفلبي عن امتعاضه وقلقه للتعاطف المتزايد الذي اخذ يبديه ساسة لندن للحسين كما تقدم تواً.

والذي يبدو أن (فلبي) قد حمل بعض ملامحه حينما امر بتقديم القليل من المال والسلاح لابن سعود، الذين (الاخير) استنتج بدوره من ذلك، احكام الحسين لعمله جيدا.

فطالب تحديد الموقف البرطاني من خصومه، وحماية حدوده منهم اذا ما أريد مهاجمة ابن الرشيد، وطالب ايضا بزيادة اعاناته من المال والسلاح، ليصبح في تسلحه بمستوى الاتراك او حتى امير حايل، ولكي لا يكره على شراء الاسلحة من اتباع الحسين الذين كان يبيعوها في الصحراء.

وقد حاول فلبي الذي كان يتحالف مع هذه النقاط سرا إراضاءه، ووعده بأنه سيطرح مشاكله أمام السطات البريطانية في القاهرة عند سفره اليها.

وعلى أية حال فإن الاندحارات الاخيرة التي كانت قد تلقتها القوات الحجازية في الخرمة وما قد تقوده من صدامات عسكرية اقوى واشمل، ولحرص بريطانيا في توجيه حلفائها باتجاه العدو، دفعت بالاخيرة في تموز 1918، الى إسداء النصيحة للحاكمين بتجنب خلافاتهما، وعرضت وساطتها لمساعدة الجانبين لحل الامور عن طريق المفاوضات.

وأرفق ( بلفور) وزير خارجية بريطانيا مع رسالته التي تضمنت هذه الدعوة تعليماته الى السير ونجت للتأكيد على الحسين بضرورة ضبط النفس والحكمة السياسية، نظرا لما في صدامه مع ابن سعود من ضرر على مصالحه والقضية العربية، ودعوته للاعتماد على المساعي البريطانية في إحلال السلام بين الطرفين.

لكن الملك حسين لم يرقه هذا الموقف لاعتقاده بجهل بريطانيا في الاوضاع، وميلها لابن سعود اذ ان التجاهل حيال حركة خالد بن لؤي يقود الى استفحالها وانضمام الكثير من القبائل الى جانبه وتظاهر برغبته في التنازل عن العرش، لعجزه في تجاهل نصيحة بريطانيا التي تقضي بترك خالد دون عقاب، إلا انه مضى في موقفه وتجاهل النصائح الاخيرة ووجه تحذيراته في 9 شوال 1336هـ حوالي 20 تموز 1918 الى اهالي الخرمة من التواطؤ مع الامير خالد، لتبعية المنطقة بما فيها الأخير لسيادته.

وتمادى الحسين في موقفه وأخذ يهاجم ابن سعود واتهامه بإمداد الثائرين بما حصل عليه من المنهوبات التي سلبها من قبائل آل رشيد  كما هاجم الحسين شخصيا عبد العزيز بن سعود في منشور له في جريدة القبلة، تعرض فيه للوهابية كمعتقد هدام للدين الاسلامي وأكد رده الحاسم على التحرشات الاخيرة التي جرت عند الحدود.

وفي الوقت الذي استمر فيه الحسين على موقفه الأخير، كانت الأحداث في الجانب الآخر من الجزيرة تتجه هي الأخرى نحو الأسوأ، فقد اتصل خالد واتباعه بابن سعود في منتصف آب 1918، وناشدوه أنجادهم، لاحتمال قدوم حملة عسكرية حجازية اخرى  وشددوا في طلبهم من جديد للدفاع عن الوهابية، وأهابوا به بالقدوم بنفسه، بدلا من الاهتمام في قتال ابن الرشيد وقد تداول أشراف نجد بالامر.

ويبدو أنهم انتقدوا عبد العزيز ابن سعود لتقاعسه في إنجاد مستغيثه بسبب انقياده لحلفائه الانكليز وإهماله مصلحة بلاده والاسلام، واحتج البعض على بقاء البعثة البريطانية في نجد، وأبدوا مقاطعتهم لاعضائها، فيما اكد (الدويش) أحد كبار قادة عبد العزيز بن سعود عن ذلك، فانصاع الأخير ووعد أتباعه بتلبية دعوة خالد أتباعه اذا ما تكررت الهجمات الحجازية، في الوقت الذي رفع (فلبي) بدوره هذه التطورات الى حكومته ومن أن أي هجوم آخر من قبل الحجاز من شأنه ان يخلق المشاكل في الجزيرة العربية.

دعت الحكومة البريطانية من جديد الى تهدأة الموقف، وبعث السير ونجت في 5 تشرين الثاني 1918 بكتاب رسمي الى الحسين ضمنه هذه الدعوة.

وذكر الحسين بالمعاهدة المعقودة بين ابن سعود وبريطانيا وما تضمنه للأخير من الحقوق داخل حدود بلاده.

وأشار الى تحذير حكومته لابن سعود من القيام بأي عمل خارج هذه الحدود، ورفضها لمطاليبه في زيادة الذخائر والمعدات الحربية فضلا عن طلبها بموقف الحركات العدائية ضد ابن الرشيد التي كان قد شرع القيام بها بناء على الاوامر البريطانية.

الامر الذي يقتضي من الحسين تقدير الموقف البريطاني والوقوف عند حد معلوم من قضية الخرمة، وغيره من القضايا القبلية التي يمكن حلها عن طريق التأني، لذلك فهو (ونجت) يستعصب تصديق موفق الحسين في رغبته لقطع العلاقات الودية مع عبد العزيز ابن سعود، ورد مبعوث الأخير ردا قاسيا، ورفضه لاستسلام رسالته أو قراءتها وكرر (ونجت) دعوته لحل الأمر سلميا، وبأسلوب شابه التنبيه، اذ ان عبد العزيز بن سعود ـ كما ذهب ونجت ـ "وان كان اقل درجة من جلالتكم واضعف موارد فإنه لا ينكر أنه ذو تأثير واهمية في السياسة العربية.

بيد ان انتهاء الحرب العالمية الاولى وتوقيع الهدنة في 11 تشرين الثاني 1918 كان يقتضي بطبيعة الحال ان تعيد بريطانيا النظر بسياستها مع حلفائها من الحكام العرب فليس من المعقول ان تنظر الى خطورة النزاع الحجازي النجدي كالسابق بحكم مصالحها في المنطقة رغم ان ذلك لا يعني تخليها كليا عن الحسين اذ ما زال يعتبر الناطق الرسمي باسم العرب، ولم يمض على انتهاء الحرب عدة شهور، وما زال المستقبل بحاجة اليه ـ ولعل ذلك ما يفسر خمول أو غموض الموقف الذي أخذت تبديه حيال النزاع المذكور، واحتجاج الحسين واتهامه لها بمحاباة عبد العزيز ابن سعود فمع إقرار السير (ونجت) للقتال بين الحاكمين، الا انه رأى ـ وفي ضوء متطلبات السياسية البريطانية ـ تأجيلها قدر الامكان وإبقاء قوات الطرفين عند (خرمة) دون صدامها لثقة بريطانيا بضع مقاومة الأشراف للوهابيين، الأمر الذي قد يدفعها الى الوقوف جانبهم نظراً لكون الحسين مازال حاميا للأماكن المقدسة وهو أمر من شأنه ان يحوز على قناعة الهند.

وسيرا مع هذا الموقف المتذبذب يضع (كرزن) توقعاته بين ان تكون الحرب حلا لخلافات الحجاز ونجد، أو إمكانية تسويتها سلميا عند عدم صدامها.

وأبلغت الحكومة البريطانية معتمدها في جدة الكولونيل (ولسن) بأنها قررت "على ضوء التطورات الأخيرة وخاصة استسلام المدينة ان لا تتدخل بعد اليوم في النزاع الحالي بين الملك حسين وعبد العزيز بن سعود، رغم إدراكها ما يترتب على هذا الموقف من النتائج ومع ذلك فإن بريطانيا وكما نوهنا قبل قليل لم تكن ترغب في الاندفاع كليا في مواقفها هذه مع الحسين لوجود القضايا العالقة بين الطرفين، لذلك تحاول وزارة الخارجية درسة المشكلة، بعد وصول الانباء عن احتدام النزاع، ودعت (فلبي) في منتصف آذار 1919 لحضور المؤتمر الذي عقدته الوزارة لبحث القضايا المتعلقة بالشرق الاوسط، ومن جملتها مشكلة الخرمة ـ التي شدد الحسين طلبه في حسم قضيتها لصالحه، وهدد بمهاجمة المنطقة حالة رفض طلبه ـ فقد اوضح اللورد (كرزن) وزير الخارجية لدى افتتاحه المؤتمر عزم حكومته لتسوية النزاع بين الطرفين لإصرار الحسين ـ وهو محق ـ على هذه التسوية، واوضح ان المشكلة هي مشكلة سياسية لا مشكلة القضية نفسها.

كما افصح عن وجهة نظر وزارته السياسية في المنطقة بقوله ان السياسة البريطانية في جميع القضايا العربية سياسة حسينية الامر الذي يبرر ضرورة الاقتناع بانتصار الحسين حالة صدامه مع عبد العزيز بن سعود، اذا ما حسمت مشكلة الخرمة لصالحه، والا فإن العواقب ستكون خطيرة وقد حظي كرزن بتأييد كافة الجنرالات والاميرالية الحاضرين، حينما طلب رأيهم بوجهة نظره، لاعتقادهم ان شرذمة من الوهابيين الحفاة عاجزين عن الوقوف امام القوات الهاشمية المدربة والمجهزة بأسلحة بريطانية، فكان هذاع راي الوزارة ـ والمكتب العربي المرتبط بها طبعا، الا ان هناك من يعترض هذا الاعتقاد متمثلا بحكومة الهند التي كان ينوب عنها في المؤتمر (فلبي). فقد انتقد هذا الخبراء والضباط العسكريين الحضور لافتقارهم للمعلومات الكافية عن قدرات الوهابيين وحذر من تطور الامر الى صدام ـ وهذا ما سيتم حتما، اذا ما تمادت السياسة البريطانية في موقفها السلبي من عبد العزيز بن سعود ـ اذ ان الوهابيين سيكتسحون القوات الحجازية دون اية صعوبة.

ومع احتمال اهتمام كرزن بران فلبي الا انه اوضح ان البت في مثل هذه الامور لا يأتي الا عن طريق اكثرية الاصوات.
ولما كان فلبي لا يمثل الا الاقلية، فإن الحكومة ستمضي في سياستها الحالية.

لذا اقر المؤتمر تخويل الحسين رسميا باحتلاله منطقة النزاع، بما في ذلك إبلاغ عبد العزيز بن سعود بهذه الصلاحية، وانذاره بقطع الحكومة لاعاناتها المالية عنه، اذا ما أبدى اية مقاومة، واكد مرزن باصدار الاوامر الفورية بهذا الشأن.

وقبل ان ينهي كورزن المؤتمر، ارتأى الاستفسار من المستر فلبي عن موقف ابن سعود عند تسلمه هذه الاوامر، فأجاب فلبي ـ الذي كان متأكدا كما يبدو ـ ان السلطان سيحشد قواته حال سماعه بهذه الاوامر دفاعا عن الخرمة التي كان قد وعد اهلها بذلك، سواء قطعت عنه الاعانات أو لا، منوها الى النتائج التي سينتهي اليها هذا الصدام والتي اشار اليها في بداية الاجتماع، غير ان هذه المحاذير لم تغير ما أقره المؤتمر وانفض على ما اتفق عليه من تسوية.