أهداف ثورة الصعاليك.. الرغبة في الإصلاح والمساواة والعدالة الاجتماعية. ظلوا فقراء رغم كثرة مغانمهم وأسلابهم من إغارتهم بسبب إباحتهم ما في أيديهم لأمثالهم من الفقراء



ما دمنا قد عرفنا دوافع ثورة الصعاليك على مجتمعهم، وشهدنا في أشعارهم أصداء الصراع الطبقي الذي خاضوه، يحق لنا أن نتساءل:

إلى أين كانت تتجه آمال الصعاليك في ثورتهم؟
وما أهدافها؟ هل كانوا يريدون الإطاحة بالمجتمع انتقاماً لأنفسهم؟
أم تراهم لا يعرفون إلى أين يتجهون؟

من الباحثين مَنْ رآهم خارجين على قوانين القبيلة، وأعمالهم داخلة في نطاق الجرائم المعاقب عليها، فهم شذاذ خارجون على الجماعة، وإن أحيطوا أحياناً بهالة من البطولة.

ومنهم من رأى أنهم لم يصدروا عن رؤية فكرية واضحة، ولم ينطلقوا وراء هدف محدد.
ومنهم مَنْ رأى أنهم أضاعوا أهدافهم النبيلة أمام سرعة الغضب، فانقلبوا إلى لصوص، ابتعدوا قليلاً أو كثيراً عن غاياتهم الإنسانية السامية.

والحقّ أنّ المتأمل في أدب الصعاليك يرى أنهم كانوا في ثورتهم على مجتمعهم يهدفون إلى الإصلاح، وينشدون المساواة والعدالة الاجتماعية. فالصعاليك لم يهاجموا القوافل، أو يغيروا على القبائل لرغبتهم في الإغارة ذاتها، ولا ليفيدوا غنى وثروة وجاهاً يرفع من مقامهم في المجتمع الارستقراطي الذي يعيشون فيه، بل نراهم على النقيض من ذلك تماماً، يأخذون من الأغنياء ليعطوا الفقراء، ولم نَرَ واحداً منهم يصيب الغنى قط، أو كانت الثروة هدفاً له. بل ظلوا جميعاً فقراء على الرغم من كثرة مغانمهم وأسلابهم من إغارتهم. وذلك بسبب إباحتهم ما في أيديهم لأمثالهم من الفقراء.

وها هو أبو الصعاليك، عروة بن الورد، يصور كرمه الإنساني في مشاركة الفقراء له في إنائه، واكتفائه هو بالماء البارد، ليوفر لهم طعامهم، بل يراه تقسيماً لجسمه في أجسامهم، حتى أصبح هزيلاً شاحباً، حيث يقول هذه الأبيات الإنسانية الجميلة الناطقة التي تخلد كرمه في أعلى نماذجه، وتبرز شخصيته، وتجلوها في أحلى مثال، استمع إلى هذا الحسّ الإنساني في قوله:
إنّي امرؤ عافـى إنائـي شركةٌ -- وأنت امرؤٌ عافـى إنائـك واحدُ
أتهزأ مني أن سمنْت وأنْ تـرى -- بجسمـي شحوب والحقّ جاهـدُ
أقسّم جسمي في جسوم كثيــرة وأحسو قـراحَ الماءِ والماءُ باردُ

كان عروة بن الورد- فيما يروي لنا صاحب الأغاني- يهاجم الأغنياء الأشّحاء ليوزع ما يغنمه منهم على الفقراء الذين كانوا يلتفون حوله، ويقصدون رحابه في سنوات القحط والجفاف، يقول:
إذا قلتُ: قد جاءَ الغنى حال دونَهُ -- أبو صبيةٍ يشكو المفاقرَ أعجفُ
له خلّةٌ لا يدخلُ الحـقُّ دونّهـا -- كريمٌ أصابْتهُ خطـوبٌ تجرِّفُ

فهو إذن يعيش في مجتمع يسوده النظام الطبقي، فهناك سيّد غنيّ متحكم، وهناك عبد فقير مستذل مستضعف.
هناك فقر وغنى لا يرحمان: ظلم اجتماعي يسود، له الكلمة الأولى والأخيرة، فانعدمت بذلك العدالة الاجتماعية، وهانت المنزلة الاجتماعية للطبقات الفقيرة، وحرمت تكافؤ الفرص، وفرض عليها الخضوع والسيطرة لخدمة الأغنياء ونسائهم في البيوت، ومَنْ لم يقبل بذلك صُبّ عليه غضب الأسياد...

لقد عزّ على هؤلاء الصعاليك أن يروا البعض منغمساً في ترف لا حدود له، والآخرين منغمسين في فقر لا حدود له أيضاً، فضاقوا ذرعاً بالظلم الاجتماعي القائم في مجتمعهم. فهل من العدل أن يقتني فرد عدداً ضخماً من الإبل، في حين لا يملك غيره غير حبل يجره بلا بعير فيه.

وما دام عروة قد جرب الفقر والغنى، ولمس آثاره، وتحسّس شعور الفقير، وشعر بأحاسيس الفقراء، وخبر عزّة النفس، فليعمل اذن على حفظ عزة تلك النفوس وكرامتها، وليقدها مستغلاً شجاعته وشجاعتها، ونقمته ونقمتها، لتخلص حقّها بأياديها ممن اغتصبوا هذه الحقوق، ورتعوا فيها غير عابئين بحاجة أصحابها، ولا مكترثين لكرامتهم، وليهنْ إذن كرمه على شجاعته، وما أداة الكرم الاّ المال، وما من وسيلة لجمعه إلاّ الغزو والغارة، ولا سيادة بلا كرم، يرى عروة فيه كل ما يبقى للإنسان من ذكر خالد وأحاديث طيبة، ولم يكن المال عند عروة الاّ وسيلة فقط، لاكتساب محامده، وقضاء حقوقه، يقول:
دعيني أطوّف في البلاد لعلنـي -- أفيد غنى فيه لذي الحور محمـلُ
أليس عظيماً أن تلمّ ملّمـــة -- وليس عـلينا في الحقـوق معولُ
فان نحن لم نملك دفاعاً بحادثٍ -- تُلِمُّ به الأيامُ  فالمـوت أجمــلُ

وهو كريم حقاً، في فقره وغناه، فالكرم متأصل فيه، يقول:
وقــد علمــت سُليــمى أنّ رأيي -- ورأيّ البخل مختلفٌ شتيتُ
واني لا يُــريـنـي  البخــلَ رأيٌ -- سواء إن عطشتُ أو رويتُ

وقد علّق د. يوسف خليف على ها الاتجاه الإنساني في حياة عروة فيقول: "كانت الصعلكة عند عروة نزعة إنسانية نبيلة، وضريبة يدفعها القوي للضعيف، والغني للفقير، وفكرة اشتراكية تشرك الفقراء في مال الأغنياء، وتجعل لهم فيه نصيباً، بل حقاً يغتصبونه ان لم يُؤدّ لهم، وتهدف إلى تحقيق لون من ألوان العدالة الاجتماعية، والتوازن الاقتصادي، بين طبقتي المجتمع المتباعدتين، طبقة الأغنياء، وطبقة الفقراء، فالغزو والإغارة والسلب والنهب لم يعد عنده وسيلة وغاية، وإنما أصبح وسيلة غايتها تحقيق نزعته الإنسانية وفكرته الاشتراكية".

حقاً لقد أبتْ هذه النفوس لكرامتها أن تذلّ، ولعزّتها أن تداس، وساعدها على ذلك إعداد طبيعي: متانة في الجسم، وقوة في النفس، ومخاطرة في الروح، يغذي كل ذلك نظام الفروسية الذي كان سائداً، وفوضى الحياة المتمثلة في الغزو والغارة ليس بين الأفراد فقط، وإنما بين الجماعات والقبائل.


ليست هناك تعليقات