الأوراق النقدية بين التحريم والإباحة: دراسة شرعية وفقهية مُقارنة مع النظم المالية المعاصرة



حكم بيع وشراء الأوراق النقدية: وجهة نظر الفقهاء

مذهب الجمهور:

يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة حرمة بيع وشراء الأوراق النقدية بزيادة، وذلك لأنهم يعتبرونها نقوداً، والنقود عندهم تخضع لأحكام الربا، فلا يجوز بيعها بزيادة، سواء أكان ذلك ببيعها بالنقود نفسها أو بغيرها من الأموال.

استدلالهم:

الأدلة الشرعية:

استدلوا على ذلك بأدلة شرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، منها:
  • قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا وَأَوْفُوا بِالْعُقُودِ" (آية 280 من سورة البقرة).
  • قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب ربا، والفضة بالفضة ربا، والبّر بالبّر ربا، والتمر بالتمر ربا، والملح بالملح ربا، فإذا تساويا وتراضايا فلا بأس" (رواه مسلم).

إجماع الصحابة:

اعتبروا أن تحريم بيع وشراء النقود بزيادة إجماع من الصحابة والتابعين.

مذهب الحنفية:

يُضيف الحنفية إلى ما سبق وجهة نظر خاصة بهم، وهي أن النقود في زمننا الحالي ليست ذهباً ولا فضة، وإنما هي أوراق مالية ليس لها قيمة ذاتية، وإنما قيمتها اصطلاحية ناتجة عن أمر الدولة. وبناءً على ذلك، اعتبروا أن بيع وشراء الأوراق النقدية بزيادة محرّمٌ، لأنّ ذلك يعدّ ربا اصطلاحيًا.

مناقشة وجهة نظر الجمهور:

  • قيمة الأوراق النقدية: يرى بعض العلماء أن الأوراق النقدية في زمننا الحالي ليست ذهباً ولا فضة، وإنما هي أوراق مالية ليس لها قيمة ذاتية، وإنما قيمتها اصطلاحية ناتجة عن أمر الدولة. وبناءً على ذلك، يرون أن أحكام الربا لا تنطبق عليها، وأنّ بيعها وشراءها بزيادة جائزٌ.
  • الغرض من النقود: يرى بعض العلماء أنّ الغرض من النقود هو التسهيل على الناس في المعاملات، وأنّ بيعها وشراءها بزيادة قد يُعيق هذا الغرض.

مذهبٌ مخالف:

يُوجد مذهبٌ فقهيٌّ يُجيز بيع وشراء الأوراق النقدية بزيادة، وذلك لأنهم يعتبرونها سلعةً، والأصل في السلع الإباحة، ولا يُحرم بيعها بزيادة إلا بدليل.

استدلالهم:

  • عدم وجود دليل شرعي صريح: يرى أصحاب هذا المذهب أنه لا يوجد دليل شرعي صريح يُحرم بيع وشراء الأوراق النقدية بزيادة.
  • قياسها على السلع: يقيسون الأوراق النقدية على السلع، والأصل في السلع الإباحة.

مناقشة وجهة النظر المخالفة:

  • شبهة الربا: يرى بعض العلماء أنّ بيع وشراء الأوراق النقدية بزيادة يُشبه الربا، وأنّ إباحته قد تُؤدّي إلى انتشار الربا.
  • تعارضها مع مقاصد الشريعة: يرى بعض العلماء أنّ بيع وشراء الأوراق النقدية بزيادة يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية من تحقيق العدل والمساواة بين الناس.

موقف المعاصرين:

اختلفت آراء المعاصرين حول حكم بيع وشراء الأوراق النقدية بزيادة، وانقسموا إلى فريقين رئيسيين:

الفريق الأول:

  • يُحرم بيع وشراء الأوراق النقدية بزيادة، سواء أكان ذلك ببيعها بالنقود نفسها أو بغيرها من الأموال.
  • يستند هذا الفريق إلى نفس أدلة ووجهة نظر الجمهور من الفقهاء السابقين.

الفريق الثاني:

يُجيز بيع وشراء الأوراق النقدية بزيادة، بشرط أن يتم ذلك يدًا بيد، أي أن يتم تسليم النقود والسلعة في مجلس العقد. ويستند هذا الفريق إلى مجموعة من الأدلة، منها:
  • عدم وجود نص شرعي صريح يُحرم بيع وشراء الأوراق النقدية بزيادة.
  • قياس الأوراق النقدية على السلع، والأصل في السلع الإباحة.
  • أنّ بيع وشراء الأوراق النقدية بزيادة يُساعد على تسهيل المعاملات التجارية، ويُنشّط الحركة الاقتصادية.
  • أنّ تحريم بيع وشراء الأوراق النقدية بزيادة قد يُؤدّي إلى انتشار ظاهرة الربا المُحرّم، وذلك من خلال اللجوء إلى أساليب ملتوية لبيع وشراء العملات.

موقف المؤسسات الإسلامية:

أصدرت العديد من المؤسسات الإسلامية فتاوى تُجيز بيع وشراء الأوراق النقدية بزيادة، بشرط أن يتم ذلك يدًا بيد. ومن أهم هذه المؤسسات:
  • مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية.
  • مجلس البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف.
  • دار الإفتاء المصرية.

ملاحظات هامة:

  • يختلف حكم بيع وشراء الأوراق النقدية بزيادة باختلاف العملة، وذلك تبعًا لقيمتها ووضعها الاقتصادي.
  • يُنصح باستشارة أهل العلم الموثوقين قبل الإقدام على أيّ معاملة تتعلق ببيع وشراء الأوراق النقدية.

ختامًا:

  • إنّ مسألة حكم بيع وشراء الأوراق النقدية بزيادة مسألةٌ اجتهاديةٌ فيها خلافٌ بين الفقهاء.
  • ولكلّ فريقٍ من الفقهاء وجهة نظره واستدلالاته.
  • والأمر في النهاية يعود إلى الفرد في اتباع ما يرى أنه أقرب إلى الصواب.


0 تعليقات:

إرسال تعليق