الواقعية في الشعر الجاهلي.. تعلق القصيدة الجاهلية بالواقع والحياة الجاهلية والبيئة الصحراوية وانبثاقها عنها وتصوير حالها تصويرا أصيلا



الواقعية في الشعر الجاهلي:

نقصد بالواقعيّة تعلُّق القصيدة الجاهلية بالواقع والحياة الجاهلية والبيئة الصحراوية وانبثاقها عنها، وتصوير حالها تصويراً أصيلاً، وهذا لا يعني أن شعرهم خالٍ من الخيال، ينقل نقلاً حرفياً مشاهدات الحياة والطبيعة، وإلاّ لغدا الشّاعر جغرافياً ومؤرخاً.

بل إنه خيال قويّ، ولكنه محدود بإطار الواقع. فحواسّ الشّاعر تستقبل ما يُرى، وما يُسمع، وما يُلمس، وما يُتذوّق، وما يُشمّ، ويَختزن هذه المرئياتِ والمسموعات، والملموسات، والمشمومات، وتتفاعل في داخله تفاعلاً خاصاً مع ما يحبّ وما يكره ومع هاجسه الوجودي، ويمنحنا شعراً نكاد من صدقِ صُوَره، وأصالة واقعيّته أن نظنّ أنّ الشّاعر كأنما يحمل آلة تصوير، وأنه يصور لنا بأمانة.

الصدق الفني:

غير أنّ واقع الحال غير ذلك. فالشعر الجاهليّ قد بلغ في فنيّته شأواً من الكمال والنضج. وهو قد صوّر لا ما هو كائن، بل ما يمكن أن يكون. وتوارى ما يُسمى بالصدق الفنيّ الذي يجعل القارئ أو السّامع يكاد يَرى الأشياء ماثلة أمامه كما أراد لها الشّاعر.

وكان الجاحظ يعجب إِعجاباً شديداً بوصف عنترة لبعض الرّياض، وتصويره للذباب وحركة جناحيه حين يسقط، إذ يقول:
جادتْ عليه كلّ عيْن ثرّةٍ + فتركْنَ كُلّ حديقةٍ كالدّرهم
فترى الذّبابَ بها يغنّي وحده + هَزِجاً كفعل الشّارب المترنّم
غَرِداً يحكّ ذراعه  بذراعــه + فِعْلَ المكبّ على الزّنادِ الأجذمِ

الالتزام بالواقع:

إن الشّاعر في هذه الصورة الرائعة لا يجنح خيالاً، بل يلتزم بالواقع... ولكن أيّ واقع؟ إنّه قد "صوّر خَلْوة الذّباب بالرّوضة، وأسمَعَنا طنينه فيها، وأبى إلاّ أن يفيض عليه من جمال نفسه هو، فجعله غناءً، ولم يجعله أيّ غناء، ولكنه غناء سكرانَ يترنّح، ثم صوّر حركة هذا الذّباب تصويراً لا يخرج عن الطبيعة أقلّ خروج، وهي حركة يعرفها من راقب الهوام في حركاتها حول المياه في الرّياض، فخرج الوصف أميناً واقعياً يتّصل بالحقيقة، ثم إنّ هذه الصورة في الواقع تعبير جليل عن ذلك القدر من الانفعال والطّرب يأخذ بنفس مَنْ خلا في مثل هذه الرّوضة وبقلبه من الشّاعرية الفيّاضة بعض ما أودعه الله بقلب عنترة.

وقد يتساءل المرء: ولكنّ صورة الذّباب ليست الصورة المحبّبة على أيّة حال... فكيف تأتّى لعنترة - وهو الشّاعر المجيد - أن يرسم لنا هذه اللوحةَ البريّةَ، التي أراد بها أن يشبّه ثغر المحبوبة، الذي وصفه بقوله:
إذْ تستبيكَ بذي غُروبٍ واضحٍ + عذْبٍ مُقَبَّلُهُ لذيذِ المطعمِ
وكأنّ فارةَ تاجر بقسيمةٍ + سبقتْ عوارضها إليكَ من الفم

العاطفة نحو الحيوان:

وهنا لا بدّ أن نشير إلى أن العربيّ الجاهليّ لم يكن يأنف من هامة من هوام الأرض، ولا من حيوان من حيوانها، ولا ما يتّصل بهذا الحيوان. وكانت صلته بالطبيعة من حوله صلة تكاد تكون عضويّة من شدّة التحامه بها، وكأنه هو امتداد لهذه الطبيعة في قسوتها إذا قسا، وفي رقّتها إذا رقّ.

وقد يكون مناسباً أن يعود المرء إلى درس الحيوان في الشّعر الجاهليّ ليستشعر تلك العاطفة الحميمة التي تربطه به أو إلى ذلك الاحترام الذي يشعر به نحوه، حتى لو كان صيداً أشرع في نحره سهماً قاتلاً.

ومن الأمثلة على ما نقول أنّ امرأ القيس عندما وقف في ديار محبوبته المهجورة، ورأى ما يدلّ على أن المكان قد أصبح مسكناً لحيوان الصّحراء لم يأنف من أن يشبّه بعر الظّباء بحبّ الفلفل:
ترى بَعَرَ الآرام في عَرَصاتها + وقيعانها كأنّه حَبُّ فُلْفُلِ


0 تعليقات:

إرسال تعليق