تيار ما بين التعليم والتسلية والترفيه في الرواية العربية الحديثة.. دراسة جرجي زيدان التاريخ العربي والإسلامي اعتمادا على المراجع العربية وعلى ما كتبه المستشرقون



كان المهاجرون الشوام بحكم ظروفهم أكثر إقبالا على الثقافة الأوروبية وآدابها وكانوا  مشغولين بنقلها، فقدموا المسرحيات منذ عهد إسماعيل، وحاولوا من بداية عهد الاحتلال تقديم شكل آخر من الفنون الأدبية، وهو  الفن الروائي سواء عن طريق الترجمة أم التأليف، وكان من أكبر العوامل التي شجعتهم على تقديم هذا الفن سيطرتهم على المجلات مثل المقتطف والهلال والجامعة وعلى الصحف مثل الأهرام والمقطم.

وقد حاول جرجي زيدان في ميدان الرواية ما حاوله مطران في ميدان الشعر,فحاول التوفيق بين متطلبات البيئة من ناحية وبين تأثره بالشكل الروائي الغربي من ناحية أخرى، وكان له أكبر الأثر في ظهور التيار الثاني من الرواية التعليمية، والفارق بين هذا التيار وبين التيار الذي سبقه يتمثل في أن هذا التيار يعني بالعنصر القصصي بقدر ما يعني بالعنصر التعليمي.

أما التيار السابق فكان تعليميا خالصا، وكان العنصر الروائي فيه على الهامش إلى حد كبير، وتتضح السمات البارزة لهذا التيار من المقدمة  التي كتبها جرجي زيدان لرواية الحجاج بن يوسف الثقفي.

وجرجي زيدان يفرق في مقدمته بين رواياته التاريخية وبين ما كتبه كتاب الإفرنج، وهو يعي هذا الفرق بوضوح كامل ويتمثله، فهو يرى أنهم يجعلون التاريخ خادما للفن، أما هو فيجعل الفن خادما للتاريخ, ويبدو أن جرجي زيدان كان يقصد بكتاب الإفرنج الكسندر دوماس الأب، وهو الذي أعطى الرواية التاريخية طابعا شعبيا في الأدب الفرنسي، وقد يرجع الفضل في اتجاه جرجي زيدان إلى الرواية التاريخية إلى والترسكوت الإنجليزي الذي يعده الباحثون رائدا لهذا النوع من الرواية.

 ويرجع سبب اهتمام جرجي زيدان بتعليم التاريخ إلي ظروف ترتبط بالبيئة من ناحية وبجرجي زيدان من ناحية أخرى، فاتجه إلي دراسة التاريخ العربي والإسلامي معتمدا على المراجع العربية وعلى ما كتبه المستشرقون، وقدم في هذا الميدان مجموعة من المؤلفات ما زالت حتى الآن من المراجع الهامة التي يرجع إليها الباحثون مثل (تاريخ التمدن الإسلامي) و(تاريخ العرب قبل الإسلام) و(تاريخ مصر الحديث).

ولما كان جرجي زيدان لا ينظر إلي التاريخ على أنه مجرد أحداث سياسية، وإنما يهتم إلي جانب ذلك بالناحية الحضارية، فقد ساعده ذلك على تصوير الأخلاق والعادات في رواياته.

ولم يقتصر جرجي زيدان على الاهتمام لا بالتاريخ العربي الإسلامي وحده، ولكنه اهتم أيضا بتاريخ الغرب، فقدم لنا في هذا الميدان كتابه (التاريخ العام) والذي خصص الجزء السابع منه لتاريخ انجلترا.

ولما كانت كتب جرجي زيدان هذه لا تهتم إلا بالمثقفين، ولما كان يرغب في جذب أنصاف المثقفين إلى قراءة مجلة الهلال، فإنه أراد أن يعلمهم التاريخ بالوسيلة التي تروقهم، وذلك بان يقدم لهم التاريخ من ناحية والقصة الغرامية التي تسليهم وتجذبهم إلي قراءة التاريخ من ناحية أخرى، وبذلك حاول جرجي زيدان أن يجمع بين التسلية وبين التعليم.

إن جرجي زيدان حين يختار موضوع رواياته لا يلجأ إلى الفترات المشرقة التي تمثل أمجاد التاريخ العربي دائما ولكنه يختار المواقف الحساسة التي تمثل صراعا بين مذهبين سياسيين، أو بين كتلتين تتصارعان على النفوذ والسيطرة، وهذا الاختيار الذي يعمد فيه جرجي زيدان إلي فترات الصراع كان يساعده ويسهل مهمته في الجانب الروائي لعمله، لأنه يقدم له الحوادث المتنوعة والمغامرة ويقدم له الشخصيات الخيرة والشريرة التي يستغلها في القصة الغرامية.

وإذا كان جرجي زيدان قد اختار موضوعات رواياته بقصد التعليم والتسلية فإن اختياره لعناوين هذه الروايات يكشف عن هذين الهدفين أيضا، فهو بعض الروايات يختار العنوان الذي يشير إلى التاريخ مثل (فتح الأندلس والحجاج بن يوسف والانقلاب العثماني وأبو مسلم الخراساني والأمين والمأمون الخ,وأحيانا أخرى يختار العنوان الذي يشير إلى الجانب الغرامي مثل (فتاة غسان، وعذراء قريش، وغادة كربلاء، وعروس فرغانة، وأرمانوسة المصرية،وفتاة القيروان.. إلخ).

وفي حالات نادرة يختار العنوان الذي يكشف جانب المغامرة في مثل (صلاح الدين، ومكائد الحشاشين، والمملوك الشارد، وأسير المهتدي) وقد يحتفظ جرجي زيدان لبعض رواياته بالعناوين: (الغرامي و التاريخي) فيسمي الرواية (أرمانوسة المصرية  أو فتح مصر) و(العباسة أخت الرشيد أو نكبة البرامكة) وهو يصف كل رواية من رواياته بأنها تاريخية غرامية.

ومن مظاهر حرص جرجي زيدان على جعل رواياته مرجعا تاريخيا أنه يلخص محتويات كل رواية بعد العنوان مباشرة، وفيه لا يشير في هذا التلخيص  إلى الجانب الغرامي, ولكنه يشير إلى المحتوى التاريخي والحضاري لروايته، ومن مظاهر حرصه على الدقة التاريخية في رواياته، أنه يشير إلى المراجع التي استمد منها مادته العلمية.

وإذا كانت رغبة جرجي في تعليم التاريخ قد أثرت على اختياره لموضوع  رواياته، فإنها أثرت أيضا في تطور الحدث فيها وفي رسم شخصياتها.

غير أن جرجي زيدان لم يكن متفرغا لإرضاء فضول قارئه بان يقدم إليه مجرد قصة مشوقة، ولكنه كان مشغولا أولا وقبل كل شيء بان يعلمه التاريخ الذي ترك أثره على تطور أحداثه، والكيفية التي طور بها عقدة قصصه.

 وقد امتد تيار ما بين التعليم والتسلية والترفيه إلى القرن العشرين فكتب القائم مقام نسيب بك رواية سماها "خفايا مصر".

وقد حاول (فرح أنطوان) تقليد جرجي زيدان في رواياته التي تجمع بين تعليم التاريخ والغرام، فكتب روايته "أورشليم الجديدة".