النموذج التكويني الدمجي لاكتساب المعرفة وإنتاجها - التمركز حول تبليغ المعرفة.. تغطية كمية من المعارف والحقائق على حساب التأمل والتفكير



النموذج التكويني الدمجي (التمركز حول تبليغ المعرفة): ويقوم هذا النظام التكويني بتغطية كمية من المعارف والحقائق على حساب التأمل والتفكير، ويتجلى ذلك في تضخيم الكتب الدراسية وحشدها بالمعلومات والمعارف، وصرف جهد ووقت الطالب في حفظها دون فهم عميق لها، والاهتمام بالنتائج السريعة المباشرة والمتمثلة في حشد المعلومات والمهارات، دون الاهتمام بتوظيفها في الحياة اليومية، مثل نظام التكوين القائم على تزويد الفرد بالمعارف والحقائق الجاهزة دون تدريبهم على سبل اكتساب المعرفة وبنائها.

وينطلق هذا النموذج من عدة خلفيات هي:

- خلفية فلسفية وإبستمولوجية، حيث يعتبر هذا النظام أن الطبيعة الإنسانية ثابتة وغير قابلة للتغير، ولا توجد فروق فردية بين الأفراد، واعتبار المعرفة واقعة خارج الذات، ويكون اكتسابها دائما من الخارج ولا علاقة للفرد في بنائها، فهي ذات طبيعة موضوعية خالصة.

- خلفية سيكولوجية، تؤكد على أن الفرد غير قادر على التحكم في سلوكياته، ويكون اكتسابه للمعرفة عن طريق الاشتراط (الكلاسيكي/ الإجرائي) والتكرار.

- خلفية سوسيولوجية، حيث تعد الحياة الاجتماعية في ظل هذا النظام الدمجي مصدر المعرفة، وتكون معايير الجماعة أو المجتمع مهيمنة، وما على الفرد إلاَّ الانضمام إلى الجماعة والاندماج أو الانصهار فيها، والتطبع أو التقولب بمعاييرها وبالعناصر المكونة للثقافة المرغوب فيها اجتماعيا.

- خلفية تربوية، حيث يغلب الميل في هذا النظام التكويني الدمجي إلى دفع التربية نحو دمج المتعلم في ثقافة المجتمع، أو الثقافة المرغوب فيها اجتماعيا عن طريق الترديد والتكرار، والتطبيق وفق تعليمات محددة خطوة خطوة، والحفظ والتذكر، وصياغة محتويات دراسية جاهزة لها صلة وثيقة بثقافة المجتمع أو بالثقافة المرغوب فيها اجتماعيا (غريب، 1992: 142؛ الخوالدة، 2004: 60؛ فرحاتي، 2004: 175).

وبناء على هذه المنطلقات، تنتظم مكونات النظام التكويني المتمركز حول تبليغ المعرفة على: أهداف تربوية، تهدف إلى تهذيب سلوك المتعلم لجعله يتقمص القيم الثقافية والاجتماعية السائدة في المجتمع، ويخضع لسلطة الواجب والحق، وتلقين نماذج جاهزة من المعارف، تنتمي غالبا إلى الماضي، وتحصيل اكبر قدر من المعلومات والمعارف.

وتخطط المحتويات التدريسية، بصورة تتصف بالتمركز حول المادة، بحيث تكون هذه الأخيرة على شكل أقسام وفروع، وتتخذ صيغة رقمية، وذات طبيعة يقينية غير قابلة للتغير أو التعديل، مع هيمنة المحتويات الفكرية والثقافية.

أما الطرائق التدريس، فتعتمد على أساليب تبليغ المادة إلى المتعلم إما عن طريق الإلقاء أو الحوار الموجه، وبذلك تكون وظيفة المعينات التدريسية مرتكزة على التبليغ والوصف والإيضاح.

وتدعم الوسائل التعليمية انفصال التربية النظرية عن التربية العملية في ظل هذا النظام، وينصب جل الاهتمام على تبليغ المعارف النظرية، الأمر الذي جعل الكتاب الوسيلة الأساسية للحصول على المعرفة واكتسابها.

ويهدف التقويم في هذا النظام التكويني الدمجي المتمركز حول تبليغ المعرفة إلى قياس ما لُقِّنَ له، أي استرجاع المعلومات التي تلقاها، مما يدفعه للجوء إلى الحفظ أو ما يعرف بالتعلم الأصم، دون اكتساب المهارات العقلية والتطبيقية.

وتتصف العلاقة التربوية بين المعلم والمتعلم بالسلطوية، حيث تفرض خضوع المتعلم للمكون الذي يمارس وحده كل الوظائف التكوينية من تخطيط وتنظيم وتسيير وانجاز وتقييم، ومن ثم تكون أدوار المتعلم مركزية وتقود إلى التحكم. ويغلب على النظام الإداري في ظل هذا النموذج الطابع الروتيني الإداري الجامد، غير قابل للتبدل والتعديل أو التغير، أي النظام الإداري المركزي (عواشرية، 2007: 10-11).

يتضح مما سبق أن النموذج التكويني الدمجي يفتقر إلى وضوح الرؤية التربوية، نظرا لكونه يستند إلى خلفيات غير واضحة، وغير مهتمة بمختلف العناصر المكونة للعملية التعليمية، مع أن الكثير من منطلقاتها، قد أثبتت خطأها المعطيات والنظريات الحديثة في علوم النفس والتربية والبيولوجيا والفيسيولوجيا، الأمر الذي أدى بهذا النوع من الأنظمة التكوينية إلى استهلاك الوقت وهدر الطاقات والأموال، واستنزاف الجهود دون الوصول إلى تكوين الفرد النجاح الفعال (غريب، 1992: 142؛ الخوالدة، 2004: 61؛ فرحاتي، 2004: 180-192).


0 تعليقات:

إرسال تعليق