المدرسة المغربية والهاجس الإيديولوجي.. إحياء التراث هو أكبر مقولة إيديولوجية سادت في المدرسة المغربية في النصف الأخير من القرن العشرين



إن الهاجس الإيديولوجي المتخلف الذي صار يحكم البرامج الدراسية في المدرسة المغربية هو الذي يؤدي بالضرورة إلى تدني مستوى التعليم في المدرسة المغربية، لأن الهاجس الإيديولوجي الذي يحكم وضع البرامج و المناهج الدراسية التي تحكم مختلف مناهج و برامج إعداد المعلمين من اجل القيام بمهام التدريس، وفي مختلف المستويات التعليمية هو الذي يؤدي إلى جعل التعليم متدنيا، لأن المواضيع المكونة للبرنامج الدراسي تعمل على تعطيل العقل، وتجعله مأسورا، لا يستطيع أن يتجدد، و لا أن يبدع، لأن كل فقرة من فقرات البرامج الدراسية تأسر العقل و توجهه، ولا تحفزه على العمل ولا تدفعه إلى الإبداع في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، الأمر الذي يؤدي إلى العجز عن الرؤيا إلى الأمام، و يشرع في ترجيع و ترديد ما يقوم به الأقدمون.

و يصبح هدف البرامج التعليمية هو كيف نحيي التراث، و إحياء التراث هو أكبر مقولة إيديولوجية سادت في المدرسة المغربية في النصف الأخير من القرن العشرين و كلفت المغرب أموالا طائلة لتنتج لنا في نهاية المطاف أد لجة الدين الإسلامي، و يصير إحياء التراث قدرة فائقة على أدلجة الدين الإسلامي التي صارت موضة النصف الثاني من القرن العشرين في صفوف المعلمين و التلاميذ والطلبة خاصة، و أنه منذ سبعينيات القرن العشرين تم إلغاء الفلسفة، و تم تحويل درس الفلسفة إلى مجرد ترجيع لشيء اسمه الفكر الإسلامي الذي ليس إلا تلقينا لمنهجية أدلجة الدين الإسلامي.

كما تم إنشاء شعب الدراسات الإسلامية في كليات الآداب التي ساهمت بشكل كبير في تفريخ مؤدلجي الدين الإسلامي. مما جعل تلك الأدلجة مقياسا للانتماء إلى الإسلام و إلى الدين الإسلامي، و مقياسا للانتماء إلى التاريخ الإنساني كما يصوغه مؤد لجو الدين الإسلامي . فإغلاق الشعب الفلسفية، و فتح شعب الدراسات الإسلامية، و تحويل دروس الفلسفة إلى مادة للفكر الإسلامي بالخصوص والاستناد إليه في جعل التعليم في المغرب مناسبة لإنشاء و تربية و إعداد مؤدلجي الدين الإسلامي، على أساس إحياء الماضي المظلم من التاريخ الإسلامي، استعدادا لإحياء "الدولة الإسلامية" التي تعمل على "تطبيق الشريعة" التي هي التعبير الإيديولوجي والسياسي عن إحياء التراث الإسلامي، الذي يصير بفعل الواقع في خدمة الطبقات الحاكمة في المغرب، و في خدمة مؤدلجي الدين الإسلامي، و ضدا على مصلحة الشعوب التي تصير معانية من النتائج السلبية التي تنتجها المدرسة المغربية التي انحرفت عن مسارها الشعبي الديمقراطي التحرري لتصير وسيلة لإعادة إنتاج الاستبداد على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية والسياسية، و بصيغ مختلفة لا ترقى إلى مستوى العصر، و تدخل البشرية في دهاليز الظلام.

و بعد ذلك فليذهب المستوى التعليمي المشرق إلى الجحيم، لأن أبناء الطبقة الحاكمة لا يدرسون في التعليم العمومي، إنهم يتعلمون في مدراس البعثات الأجنبية، أو في مدارس التعليم الخاص، أو يذهبون للدراسة في المدارس الأجنبية المكلفة كثيرا.