أصل العولمة الاقتصادية، الواقع السياسي والعسكري.. الطبيعة أو البنية الاقتصادية الشمولية نتيجة للعلمية السياسيةـ العسكرية



يشير أنصار إسناد المرجع الإمبريالي الروماني، وهم أكثر عدداً، إلى أن تاريخ الإمبراطورية الأمريكية، لم يبدأ في عام (1948)، مع انقلاب براغ، ورد الفعل على إقامة السلطة السوفياتية فيها، بل بدأ، منذ عام (1945)، على أثر الحرب العالمية الثانية، حيث برهنت واشنطن خلالها، على تفوقها الصناعي والعسكري وأصبحت أعمال التوسع الجوهرية في صميم نظامها الغربي استقر أو توطد في المحميات الألمانية واليابانية التي ألحقت بالولايات المتحدة، لأهميتها الاقتصادية.

فكانت ألمانيا القوة الصناعية الثانية، قبل الحرب، واليابان هي التي تحتل هذا المكان اليوم. وهذا هو بالضبط ما تقوم به الولايات المتحدة، عن طريق القوة العسكرية، حيث أقامت على هاتين المنطقتين سلطة أساسية لسيطرة النظام الاقتصادي الدولي، وهذا هو ما يقربنا من الإمبراطورية الرومانية، إذ أن حالة روما، في مجال الخطة الاقتصادية والاجتماعية، هي الموثقة الأكثر شبهاً عما عليه في أثينا. ويمكن قياس  التشوه البنيوي فيه بالبنية الاجتماعية الناتجة عن طريق تراكم الثروة المؤدية إلى الهيمنة العسكرية، في المركز السياسي.

فقد توسعت روما، على الفور، خلال مئات السنين، التي تلت انتصارها الحاسم على قرطاجة، أثناء الحرب القرطاجية الثانية، فتوسعت نحو الشرق، وأصبحت سيدة مجمل منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، تملك مصادر غير محدودة من المال والعبيد، على الأرض، ومصادر نقدية تردها من مجمل من يدور في فلكها وتمكنت من استيراد منتجات غذائية ومصنعة بالجملة، وأخذ الفلاحون والحرفيون في إيطاليا، ينتجون لصالحهم ما ينبني عليه الاقتصاد في منطقة البحر الأبيض المتوسط الشاملة، عن طريق الهيمنة السياسية لروما، واسْتَقْطب المجتمع مجموعة مؤلفة من عنصرين متعارضين: طبقة شعبية غير مفيدة اقتصادياً، وطبقة أهل الحكم من الأغنياء (ploutocrates)، وهي الطبقة النّهابة، المشكلة من أقلية متخمة بالثروة وتشرف على سكان بروليتاريين وطالبت الطبقات المتوسطة، بالعملية التي أدت إلى اختفاء الجمهورية وإقامة الإمبراطورية، طبقاً لتحليل أرسطو، حول الأهمية التي تقوم بها الطبقات الاجتماعية الوسيطة من أجل استقرار الأنظمة السياسية.

وبما أنه لا يمكن استبعاد أو إقصاء الطبقة الشعبية، صعبة المراس، لكنها مركزية جغرافياً، فقد انتهى الأمر بتغذيتها على حساب الإمبراطورية، بالخبز والألعاب، ثم سرقتها.

إن المقارنة مع النماذج القديمة غنية بالإرشادات والتعليمات، لمن يهتم بالشمولية الاقتصادية التي تجري تحت إدارة الولايات المتحدة، عن طريق التشابه أو الاختلاف، وسواء استندت على المثال الأثيني، أم على مثال روما، فإنها تضع في كل مرة، الأصل السياسي والعسكري في فلك الهيمنة الاقتصادية بوضوح. وَتُصَلَّح هذه الرؤيا السياسية للاقتصاد ـ من حيث وجه النظر للعبارة ـ الترجمة اللاتينية للكتاب المقدس الخالية، التي تمثل لنا الشمولية أو العولمة كظاهرة لا سياسية.

وسيكون هناك عَالَم اقتصادي ليبرالي ليس فيه، أمة أو شعب، ولا دولة، ولا قوة عسكرية، فإذا انتقلنا والحالة هذه من أثينا أو من روما، فإننا لا نستطيع تجنب الرؤية، أن الطبيعة أو البنية الاقتصادية شمولي، هو النتيجة للعلمية السياسية ـ العسكرية. وبأنه لا يمكن لبعض الشيء الغريب في الاقتصاد الشمولي، أن يصبح موضحاً دون مرجع للبعد السياسي ـ العسكري، للنظام.