حكاية اسمها الإنسان.. ابن حبيب وأمنية الوالد بإعجاب الناس بابنه والتفافهم حوله وتوفير سُبل المعرفة له من مجالس علم وأدب وكتب مراجع



ظل الطفل "الحسن" واقفًا يتأمل وجوه الحاضرين داخل المجلس المُنعقد بباحة البيت، وقد كست ملامحه علاماتُ الفخر والإعجاب.

هذه العلامات التي كانت تتضاعف كلما ولى بصره باتجاه وجه الشيخ الجليل "عمر بن الحسن" صاحب الدار الذي يفد إليه الناس من كل حدب وصوب للإفادة من علمه الغزير في شتى مجالات المعرفة وبخاصة الحديث وعلومه التي كان يتقنها ويبرع فيها، إذ كان يكفي أن تلقي عليه الحديث فيسارعك بالحكم على مدى صحته أو ضعفه أو تواتره أو الاتفاق عليه أو الاختلاف عليه.

وكانت ثقة الناس في علمه دافعًا لهم للرضا بكل ما يصدره من تسعيرات للسلع بوصفه محتسب مدينة حلب.

كان الفتى معجبًا أيما إعجاب بالتفاف الناس حول والده وفخورًا بكونه ابنًا لهذا الرجل، تمنّى أن يكون مثله، أن يملك ما ينفع الناس، أن يحوز ثقتهم "هل سيأتي هذا اليوم؟" تساءل، "وهل يمكن أن اكتفي بالانتظار؟".

تردد السؤال في خلجات صدره فارتعدت فرائصه وأفاق من غفوة تأملاته وهو يجري ليرتمي في حجر أبيه، الذي استقبله بابتسامة صافية وحضن دافئ وضحكة لا تخلو من وقار.

أدرك الأب مغزى الأُلقة التي لمحها في عين ابنه، وعلم أن الفتي يملك إرادة العلم وموهبة البحث، تيقن أن طفله المولود في دمشق سنة 710هـ يستحق أن توفر له سُبل المعرفة من مجالس علم وأدب وكتب مراجع.

وبالفعل بدأ الأب العالِم في دفع ابنه باتجاه بحر العلم مانحًا إياه قارب القدوة ومجداف التشجيع، فنشأ "الحسن بن عمر بن الحسن بن حبيب الحلبي" مُحِبًًّا للأدب مُهتمًا بالتاريخ والأخبار مُغرمًا بنظم الشعر، سمع الحديث على جماعة من أعيان عصره كما أخذ عن بعض الأدباء كابن نُباتة وغيره.

تنقَّل ابن حبيب بين عدد من المدن الإسلامية طلبًا للعلم؛ فرحل إلى القاهرة، والإسكندرية، والقدس، والخليل، وطرابلس الشام، وبعض مدن الحجاز.

كما تولّى  عددًا من المناصب الإدارية والدينية؛ فناب عن الحكم في دمشق في عهد الأمير "سيف الدين منجك".
كما باشر القضاء بحلب، وكتابة السر فيها، وولي كتابة الإنشاء فترة، فتحققت بذلك نبوءة الأب.

ولأن لكل حكاية نهايتها فقد آثر ابن حبيب في آخر حياته التخلي عن وظائفه فلزم داره مُتفرِّغًا للتأليف مُقبِلاً على التصنيف حتى وفاته سنة 779هـ.