الضرورات الشعرية في الشعر الحر: حذف حرف العطف.. هذه الحروف تدل على معان في نفس قائلها فلو حذفت لاحتاج السامع إلى وحي يعلم به ما في نفس صاحبه



وهذه ظاهرة كثيرة الورود في الشعر الحر بشكل لافت للنظر، وقد أحصيت منها في الدواوين الخمسة نحواً من أربعة وثلاثين موضعا.

(وقد اختلف القدماء في هذه الظاهرة إذ أجازها بعضهم شعرا ونثرا، ومنعها بعضهم شعرا ونثرا، وأجازها بعضهم في الشعر دون النثر ، وعدها ضرورة في الشعر)[1].

وقد عقد السهيلي في (نتائج الفكر) مسألة عن حذف حروف العطف، أنكر فيها جواز الحذف لأن هذه الحروف تدل على معان في نفس قائلها فلو حذفت لاحتاج السامع إلى وحي يعلم به ما في نفس صاحبه!

ثم تتبع أدلة المجيزين ونقضها.[2] ولوجاهة ما أتى به السهيلي، فقد رأيت أن عد هذه ضرورة أوفق من الدعوة إلى تجويزها مطلقا كما دعا إلى ذلك الدكتور حماسة.

وإليك نماذج من هذه الظاهرة:
قال العباسي:
النظرات تطاردني.. تصرعني،
تحملني لشعاع النجمات فتيلا
شدْواً فوق جبين القمرحديثا
مطلعه بسماتٍ.. تقبيلا (ص 44).

وسياق الكلام يقتضي أن يقول: شدوا وبسمات وتقبيلا.
ويقول:
مال بعيري فتبسمت..
تلثمت.. وكزت بعيري معتادا (ص 49)

ويقول:
أحبته تركوه.. تخلوا عنه
فأودعهم بتجاويف الأعوام (ص 59)
وحق الكلام أن يكون هكذا: تركوه وتخلوا عنه.[3]

ولم يخل ديوان القرشي من مثل هذا، فهو يقول:
لماذا نخاف؟ نذل؟ نضيع؟
وفي كفنا سيفه (ابن الوليد) (ص 265).

ويقول أيضاً:
أعيشك، أحياك
في أنة العطر ِ
في زهوة الفجرِ
في صرخة المنحنى
في تدفق أمواج كل العيون! (ص 304).

فانظر كم واوا حذف، ولو أتى الكلام على وجهه لكان هكذا: أعيشك وأحياك في... وفي... وفي... وفي...[4]

وإذا أتينا إلى القصيبي وجدناه يقول:
أقول: (أحبك).. أكتبها في الدفاتر..
أعلنها في المنابر.. أزرعها في الغيوم.. (ص 692).

ويقول:
دنياك العطر السحر الأنس الهمسُ
اللمس جنون السحرِ
دنياك المجد السعد الفرح المرح
غناء الوترِ
دنياي الألم السقم القلق الحُرَق
الشعر المطعون بآهات البشرِ (ص 715) .[5]

وفي ديوان التضاريس يقول الثبيتي:
يا غرابا ينبش النار..
يواري عورة الطين وأعراس الذباب (ص 10)

ويقول:
وعاد إلى منبع الكين معتمرا رأيه
الأزلي ..
تجرع كأس النبوءة،
أوقد ليلا من الضوء،
غادر نعليه مرتحلاً في عيون المدينة..
طاف بداخلها ألف عامٍ
وأخرج أحشاءها للتراب (ص 30)

ولولا تجويز الضرورة لألزمناه أن يقول: تجرع.. وأوقد.. وغادر.. وطاف.[6]
وللشاعر العشماوي نصيب، فهاهو ينشد في ديوانه قائلاً:
أما كنت تلمح في ناظريه - إذا ما دنا -..
عَبْرَتَهْ؟؟
ترى أمه إخوتهْ
جده جدتهْ
خاله خالتهْ؟! (ص 51).

ويقول:
أنا لا أرى إلا الطرابيش التي تهتز..
في جنح الظلامْ.
كاهانَ، شاميرَ اللعينِ..
ووجهَ رابين الملطخ بالجريمة. (ص 105) .[7]

[1] ظواهر نحوية في الشعر الحر د. محمد حماسة 116.
[2] نتائج الفكر للسهيلي 263 ـ 265 ، وانظر السابق 117.
[3] انظر مزيدا من الأمثلة في هذا الديوان، ص: 16، 26، 28، 30، 37، 41، 44، 46، 47، 61، 73، 75، 76، 83، 95.
[4] انظر ديوان حسن عبد الله القرشي 264.
[5] انظر مزيداً من الأمثلة في المجموعة الشعرية الكاملة للقصيبي ص: 703، 713 ، 742 .
[6] انظر مزيدا من الأمثلة في الديوان ص: 12، 17،  26، 27.
[7] انظر المزيد ص: 50، 58.